زوابرية النظام

 

إن النظام يجند مخبريه من مجموعة عريضة من العملاء المنتشرين في كل مكان، يتم القضاء على هؤلاء العملاء فيما بعد انتهاء مهمتهم ومحو أي اثر لهم، هناك مثالان هامان شد انتباه الساحة الإعلامية في هذه الأسابيع الأخيرة بسبب نهايتهما، حالات تقريب مدرسية بالنسبة لمصالح المخابرات. المثال الأول يخص الدموي عنتر زوابري والمثال الثاني المجرم أحمد مراح، عميلان "إسلاميان" خطيران الذين وصما بدون شك الضمائر لوقت طويل.

 

1- تصفية زوابري

فيما يخص حالة هذا البربري الذي لا يعرف الشفقة فإنه من المفاجئ أن نعلم بتحييد عنتر زوابري ؟ تساءل كثير من الناسإذا ما كان ذلك تصفية لشاهد عائق الذي يمكن أن يكشف أسرارا حول دور الجماعات الإسلامية المسلحة (GIA) في المذابح الجماعية.

ككل مرة عندما يتعلق الأمر بالجماعات الإسلامية المسلحة فإن مسئولي محاربة الإرهاب لا يحاولون القبض على الإرهابيين أحياء. في احتفال مرح وبحضور وسائل الإعلام الوطنية والأجنبية قدم اللواء فضيل شريف إبراهيم قائد الناحية العسكرية الأولى غنيمة حرب غير عادية في مقر الناحية العسكرية الأولى نفسها :الجثة الهامدة لعنتر زوابري.

صرح فضيل شريف لمجموع وسائل الإعلام التي دعيتلهذه المناسبة أن الوحدات الخاصة قد تحركت استنادا لمعلومة، وأن الحي الذي وجد فيه المهاجمون قد حوصر وأن العملية (المتمثلة في تحييد ثلاث إرهابيين بما فيهم عنتر زوابري) قد دامت عدة ساعات،

 

إن هذا التصريح أقل ما يقال عنه أنه غريب لأن ما يعرف عن وسائل حرب المخابرات أن القبض على ثلاثة أشخاص مهما كانت خطورتهم لا يمثل إلا لعبة أطفال بالنسبة لعناصر أو الوحدات الخاصة الأخرى للجيش، إذن فواجب كل الذين يبحثون عن الحقيقة أن يطرحوا عددا من الأسئلة من بينها :

1 - لماذا كل هذه المسخرة عندما نعرف أن زوابري وصاحبيه لم يكن بحوزتهم ولو كلاشنكوف واحدة ؟ فما عساهم أن يفعلوا بثلاث مسدسات قديمة، لا يمكن أن يثبتوا أكثر من عشرة دقائق ؟

2 - لماذا تحدث خالد زياري - إطار سامي لدى المديرية العامة للأمن الوطني - في حوار نشر بجريدة يومية بتاريخ 10.02.2002 عن حادث صدفة لتبرير تصفية الرئيس المزعوم ل GIA مناقضا بذلك جملة وتفصيلا اللواء فضيل شريف الذي أكد بأنها عملية تم تحضيرها بدقة متناهية ؟

3 - بأية معجزة استطاع قائد الناحية العسكرية الأولى أن يؤكد وبكل دقة أنه لم يبق إلا حوالي 37 أو 39 إرهابي من GIA ؟

4 - لماذا يخاطر الإرهابي الأكثر طلبا في الجزائر منذ عشر سنوات والذي حدد ثمن رأسه ب 450 مليون سنتيم، بنفسه بالرجوع إلى بيته في بوفاريك ؟

5 - لماذا استعان المسئولون المكلفون بمحاربة الإرهاب بإرهابيين محبوسين في السجن العسكري للبليدة للتعرف على العدو العمومي الأول ؟ أهو مجهول لدى العسكريين وهو الذي "قتل" عدة مرات وتم إحياؤه من طرف وسائل الإعلام ؟

6 - ما هي الأسباب التي دفعت بعرض جثة زوابري في مركز الناحية العسكرية الأولى أمام مجموعة من الصحفيين ؟ هل من أخلاقيات جنرالات الجيش الوطني الشعبي أن يقدموا مثل هذا الاستعراض؟ وهم الذين يرافعون الصحفيين في المحاكم لأنهم نشروا معلومات ذات طابع أمني وهم الذين يتقترون المعلومات؟

 

بعد خمسين يوما ولد زوابري جديد : أبو تراب، خرج توا من أدراج مصالح المخابرات، كالعادة فإن هذا التعيين على رأس GIA يأتي هو الآخر بقسطه من المذابح المعتادة التي لا تنتهي.

في الحقيقة فإن عنتر زوابري كان من المفروض أن يلتقي الضابط المكلف به الرائد توات محفوظ المدعو جمال المدعو أبو محمد، إن هذا الضابط الذي ينتمي إلى DCE/DRS و أصله من بابا احسن قد قضى معظم حياته المهنية كنائب لجمال زيتوني منذ أن كان ملازما أولا، إن إسماعيل العماري هو الذي يتابع وحده تطور ملف توات، كما كان مقررا فقد تم تحديد الموعد عند عميل للرائد جمال وهو تائب مزعوم اسمه عبد الحكيم بومدين الذي يسكن شقة موجودة بشارع الاخوة كرار غير بعيدة من ملعب محمد رقاق ببوفاريك.

وصل عنتر زوابري لمكان الموعد مصحوبا بأحد نوابه الملقب رشيد بوثلجة يوم الخميس ظهرا حيث ينتظرهم عبد الكريم بومدين، كان من المفروض أن يكون اللقاء صباحا.

في نفس العشية وصلتوات إلى المكان مصحوبا بثلاثة من رجاله ودخلوا إلى العمارة، كان لتوات أوامر صريحة : القضاء على زوابري بسرية تامة. لم يشك زوابري في أي شيء إلا عندما قفز رجال الرائد جمال عليه وحاولوا ذبحه ولكن بدون جدوى في أول الأمر وجرحوه فقط على خده، ولكنهم نجحوا في آخر الأمر رغم صراعاته، وذلك أمام أعين الاثنين الآخرين المشدوهين، لقد أمر الرائد جمال بوثلجة و بومدين البقاء خارج الموضوع لأن زوابري خان فلابد إذن أن يدفع الثمن، على الساعة الثامنة مساء لم يعد الدموي زوابري إلا جثة تعوم في بحر من الدم، أعطى الرائد جمال أوامر واضحة بوثلجة و بومدين و كلفهم بحراسة جثة زوابري إلى أن يرجع لأخذها في يوم الغد.

ولكن لم يأخذوا في الحسبان مخططات إسماعيل العماري و فوضيل شريف اللذان يحتاجان إلى الرجلين لإكمال سيناريوهما، في يوم جمعة هادئ كالعادة سمع انفجارات ورمي بالرصاص كثيف للقوات الخاصة التي أرسلت على جناح السرعة إلى المكان من طرف إسماعيل و فوضيل شريف. عندما اكتشف الضحيتان الحيلة كان الوقت متأخرا،كانت الوسائل العسكرية المستعملة ضخمة والرمي بالرصاص نحو المبنى دام ثلاث ساعات. على الساعة السابعة ونصف تقريبا كانت كل مدينة الجزائر على علم بمصير زوابري.

 

كان لهذه العملية هدفين :

1 - تقديم رئيس الأركان القادم إلى المجتمع الجزائري والدولي (خاصة الفرنسي)

2 - كان للمناورين فكرة تصفية "البعبع" بهدف ترقية برنامج التغيير، محمد العماري سوف يأخذ تقاعده بمناسبة 5 يوليو تاركا منصبه لصديقه وذراعه الأيمن اللواء فضيل شريف إبراهيم ، إنفضيل شريف المساعد(Adjudant)القديم في المحافظة السياسية يستطيع أن يسعد بنجاح حياته المهنية، اللهم أن يقرر محمد العماري بعد صدور هذا المقال فيبدل رأيه حتى يكذب الحركة الجزائرية للضباط الأحرار.

إن وضع البلد إلى يومنا هو نتاج منطقي لمماسات غير شرعية وانحرافات غير دستورية التي يجسدها النظام المغلق.

 

2 - نهاية أحمد مراح

الذراع الأيمن القديم لمصطفي بوعلي (الزعيم الأول للحركة الإسلامية المسلحة المولودة بالجزائر في بداية الثمانينات) فإن أحمد مراح قد حكم عليه بالمؤبد وسجن ما بين 1983 و1989، فقد تم قلبه (retourné) (وهي مصطلح للمخابرات التي تعني تجنيد عميل منحدر من حركة والتي سوف يعمل ضدها) مع كثير من الآخرين من طرف المصالح العملية للأمن العسكري وذلك قبل إطلاق سراحهم بقليل.

في بداية التسعينات اشتغل بإخلاص تحت رعاية ضابطه المعالج الجنرال إسماعيل (مقدم آنذاك) بهدف تنويةالحركة الإسلامية الجديدة، و الأخطر من ذلك فقد كان كذلك المهندس الذي شارك بقوة في إنشاء المجموعات المسلحة الأولى في بلاد القبائل، وذهب إلى حد توزيع السلاح والذخيرة الموجود في مخازن DCE على متطوعي الجبهة الإسلامية للإنقاذ في بداية النزاع.

إن هذا العميل غير العادي قد قدم خدماته مجانا عندما تم تجنيده وزاد على ما يطلب منه لجلب رضى إسماعيل، لقد قام بكثير من الأعمال القذرة، وكلفه إسماعيل الذي أراد تنظيف البيت بتصفية بعض الضباط داخل مصالحه نفسها، وكانت تنسب هذه الجرائم إلى الجماعات الإسلامية، إنها نعمة بالنسبة لإسماعيل الذي أراد أن يصفي حساباته مع معارضه داخل المديرية المضادة للتجسس (DCE) و حتى داخل DRS وذلك بفضل قتلته المتسترين المستعدين لكل شيء مثل أحمد مراح.

كان الكشف الصحي واضحا : موت بتسمم يوم 19.02.2002 ، قالت جريدة يومية في عددها الصادر يوم 25.02.2002 "موت مشكوك فيه لرجل يعرف أكثر من اللازم" مؤكدة أن الأطباء أكدوا موته بالتسمم قبل أن تختم أنه يهدد كثيرا من المصالح.

 

لماذا تمت تصفيته ؟

في حوار نشر في جريدة صادرة بتاريخ 12.02.2002 انتقد مراح حرب المجموعات (clans) "بواسطة القبائل" التي تشتعل في شرق الجزائر.

ندد العميل في تصريحله بتلاعب السلطة بالإسلاميين وبالإرهاب بصفة عامة وهاجم أصحاب السلطة الحقيقيين، وذهب إلى حد القول بأن منافسي المافيا التي تحكم الجزائر ليسوا لا الإسلاميين ولا الإرهاب ولكن كل من يهدد مصالحهم من قريب أو بعيد.

لقد ذكر مراح الاختفاءات المأساوية لآلاف الأشخاص المقبوض عليهم من طرف مصالح الأمن والتي تمت خاصة ما بين سنوات 1993 و 1995 (يذكر عدد 15000 شخص قبض عليه من طرف مصالح الأمن والذين لم تظهر أخبارهم إلى اليوم)، وقد صرح أيضا أنه يفكر في نشر كتاب حول ظروف لإنشاء بعض الأحزاب السياسية خاصة التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية (RCD) وحماس، وفي نفس الوقت اتهم علنا محفوظ نحناح بأنه أنشأ حزب سياسي بطلب من مصالح الأمن بهدف معارضة الجبهة الإسلامية للإنقاذ (FIS)، كما اتهمه أيضا بإشرافه على إرسال الشباب الجزائري إلى أفغانستان في الثمانينات وشريط فيديو يدل على ذلك، (خلال محاضرة التجنيد للجهاد في أفغانستان فإنه يعطي بعض الحيل ويبين كيفية ذبح الأسرى الروس).

أسابيع قليلة قبل موته فقد أعطى مراح حوارا لصحافي أجنبي (قريب من الجنرال توفيق) وتحدث عن بعض الأشياء المزعجة لماضيه النضالي وخاصة : اغتيال أخ بوعلي والهجوم على مدرسة الشرطة للصومعة وإنشاء الحركة الإسلامية المسلحة والجماعات المسلحة.

والخطير في الأمر أن الهجوم على ثكنة الشرطة بالصومعة قد تم توجيهها من الرئاسة، لأن وراء هذا الهجوم تختبئ المتاجرة بالأسلحة الفاسدة، حيينها أمضى العربي بلخير والهادي الخديري صفقة هامة لشراء الأسلحة بسعر جذاب مقابل نسبة من ثمنها لصالحهم يدفعها البائع، لكن عندما سلمت الأسلحة اكتشف مسئولو الشرطة أن الأسلحة (المخزنة في الصومعة) غير مطابقة لدفتر الشروط، وبمعجزة تحصل بوعلي على معلومات حول وجود كمية هامة من الأسلحة في الصومعة، إذن تم الهجوم على المدرسة في هذه الظروف الغامضة والمدير نفسه كان خارج الوطن، والاهم من ذلك أن مخزون الأسلحة الفاسدة قد اختفى والضباط القليلين العارفين بالقضية قد تم إبعادهم أو تصفيتهم، وهكذا حقق بلخير ضربة كبيرة.

أصبحت اعترافات مراح مصدر تهديدات حقيقية بالنسبة لأصحابها المناورين لأنه يمكن أن يكشف بعض القضايا المشبوهة مثل ظروف اغتيال محمد سعيد وعبد الرزاق رجم أو جماعة "التكفير والهجرة" التي تعمل في مسجد كابول (ثم مسجد لكحل فيما بعد) ببلكور وإمامها لم يكن سوى النقيب أحمد بوعمرة، الضابط الذي "حولته" المخابرات إلى إسلامي بهدف جمع المعلومات حول الجهاد في أفغانستان في بداية الثمانينات، وكانت مهمته عند رجوعه إلى الجزائر عام 1989 خرق صفوف جماعة "الهجرة والتكفير".

حتى ولو أسر أنه لم يشارك في العنف في الجزائر فأن مراح اعترف على الأقل أنه كان المسئول العسكري للمنظمة، وفي نفس الحوار فقد صرح أن العنف قد خطط له في أعلى مستويات للسلطات الجزائرية، بعض كلامه كان محرجا بالنسبة لأصحاب القرار الحقيقيين في الجزائر.

 

لماذا هاجم حاميه ؟

ككل انتهازي الذي لا يبحث إلا على تحقيق طموحاته فقد تخلى عن إسماعيل ووقف في صف الجنرال توفيق يسانده ضد بوتفليقة، يذكر مراح في نقده لبوتفليقة : "إذا صمم بوتفليقة في لعب ورقة الإسلاميين بهدف تفكيك النظام فإن التائبين الذين استفادوا من العفو سوف يدفعون إلى الالتحاق بالجبال وبالتالي تستديم الفوضى"، وهذا ما يحدث بالضبط اليوم، في قسنطينة وجيجل وسوق أهراس تم اغتيال بعض التائبين مما أدي إلى تجمعات تذكر بتجمعات بداية التسعينات.

إن مراح ينفخ الحر والبارد بقوله لمختلف وسائل الإعلام أنه يملك معلومات جديدة تخص قضايا خطيرة، هذه المعلومات قد تم جمعها لدى مصالح الأمن التي يقول أنه ينتمي إليها، لقد ذكر ملفات ساخنة مثل :

- ملف اغتيال الرئيس محمد بوضياف "الذي تخلص منه الجنرالات عندما انتهت مهمته"، يلمح مرباح إلى حل الفيس وإعلان حالة الطوارئ وإقامة محتشدات الجنوب.
إن سوء النية الفادحة للطبقة العسكرية في محاربة الإرهاب تضع موضع الشك إرادتهم في القضاء على هذا الآفة.

- تحصن المافيا السياسية والمالية وتفرعاتها في وزارة الدفاع الوطنية...
- فيما يخص التزوير الذي ميز الانتخابات التشريعية لعام 1997 فقد شرح كيف استطاعت السلطة استغلال مجازر الرايس (29.08.1997) وبن طلحة (22.09.1997) وبني مسوس(13.10.1997) لتدعيم وترقية الارندي (RND) في انتخابات 23.10.1997 وذلك بالحث عن "التصويت الأمني".

إن أحداث القبائل التي تستعمل دائما كرهان لحرب بين الجماعات(clan)، والتي أثيرت وغذيت بهدف زعزعة زروال ودفعه إلى باب الخروج.

والأغرب من ذلك أيضا هي الموهبة الأدبية التي اكتشفها مراح فيه، لقد خطى خطوة لم يخطوها من قبله أي عميل وذلك بنشره مخطوطات منتقاة من الأوامر التي كان يتلقاها من إسماعيل العماري، لقد كلفه هذا الأخير بمهاجمة الجنرالين بتشين و زروال في كتابه "ثلاثية الجنرالات"، فقد ساهم بطريقته في تصفيتهم السياسية.

كل هذه النقاط وأخرى كثيرة قد ذكرها مراح بكثير من الوقاحة، كان يفكر ببساطة أن الأسرار الثقيلة التي يحملها سوف تضع السكين على رقبة إسماعيل العماري و جنرالات أخرى، لقد انتهت طموحاته بقتله، هو العميل البسيط الذي كان يدعى إلى الحفلات الرسمية ويرى نفسه وزيرا مثل مراني وسعيد قشي وبعض إسلاميي الخدمة.

عندما نعرف الثمن الذي يدفعه أصحاب القرار من أجل البقاء في السلطة فإنه من الطبيعي أن نقول أن عميلا تافها لا يزن كثيرا في الميزان.

ولكن كان لمراح الوقت لأخذ قهوة أخيرة في مكتب إسماعيل العماري بغرمول قبل أن يسقط مريضا في مكتب بن فليس.

 

كان ذلك كثيرا بالنسبة "لعميل" لم يعرف قدره والذي انتهى الأمر به مثل "إكار" عندما احترقت أجنحته الشمعية بسبب إصراره الوصول إلى الشمس.

 

رجوع إلى دولة الصراعات