زلزال في القمة

 

إن صورة حامي الديموقراطية والاتجاهات الأخلاقية لمبادئها لم تكن تسري في المجتمعات الجزائرية والأجنبية، وهذه الأخيرة هي الأهم في نظرهم وأصعب على الإقناع.

عندما حشروا من كل مكان فإن الجنرالات يقومون بمعركة شرسة شبه يومية من أجل فرض سلطانهم الذي ضعف بعد فضائح عديدة التي مست بدون شك سمعتهم داخل الجيش الوطني الشعبي، وقد تأزم الوضع منذ أن جاءوا بعبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم، هذا الأخير الذي كلف شبه رسميا بإعادة الاعتبار لهم على المستوى الدولي قد ساهم بقصد على توسيع الهوة بين مختلف الجماعات في الجيش التي ظهرت خاصة أثناء حكم ليامين زروال، إن التوتر داخل المؤسسة العسكرية قد وصل حدا خطيرا ودرجة لم تعرفها منذ انقلاب 1992.

إن أسباب الانقسامات بين الجنرالات مختلفة ومتعددة، سواء ابتداء من نزاعات المصالح المادية أو ذات طبيعة عسكرية محضة أو سياسية أو بكل بساطة بسبب نقص التجانس الشخصي، إن كل أسباب الانفجار البركاني قد توفرت وهذا رغم المظاهر الرسمية لجيش موحد وهادئ. ولكن في مكان ما في الظل فإن شيطانا يناور ويعمل كل ما في وسعه لدعم جماعته المفضلة على حساب الجماعة الأخرى، يد من نار في قفاز حريري، إن العربي بلخير ومن إقامته في سويسرا يخيط المستقبل المأتمي لجزائر على طريق الضياع.

قبل رجوعه الرسمي إلى الحكم أراد بلخير القيام بتصفية كل جنرالات جماعة زروال، إن الهدف بالنسبة له هو إعادة تركيب الخريطة العسكرية حسب إرادة العراب،محيط يسمح له بالاستيلاء على منصب نائب الرئيس في أول الأمر ورئيس الجمهورية بعد ذلك، إن ذراعه الأيمن الجنرال محمد مدين قد فقد حظوته لديهمنذ أن استعاد حريته ويعمل الآن لحسابه الخاص، إنها خطيئة لا ترحم عندما نعرف القانون الذي يحكم الوسط المافياوي الذي لا يقبل بتاتا أكثر من عراب في نفس الوقت، بالنسبة لبلخير أصبحت تصفية توفيق أولى الأولويات.

بهدف إعادة سيطرته فإن "سي العربي" (كما يحلو له أن يلقب) قد جمع كل رجالاته حوله في الوقت الذي كان بوتفليقة في رحلة رسمية إلى الولايات المتحدة، خلال هذا الاجتماع الذي انعقد بالقصر الرئاسي بالمورادية توجه العربي بلخير إلى الجنرالات محمد تواتي وإسماعيل العماري ومحمد العماري ليخبرهم من نيته، إن العربي بلخير قرر أن يطلق النار في كل اتجاه ليدفع بالتوفيق إلى باب الخروج وذلك مهما كان الثمن، إن بوتفليقة هو الذي فتح رسميا المواجهات خلال زيارته لورقلة، ففي خرجة غير منتظرة فقد فاجأ الجميع بفتح النار على توفيق أثناء حوار متلفز، فبكلمات عنيفة انتقد الرجل صاحب السيقار الجالس برخاء في مكتبه والذي يدير خيوط اللعبة في الجزائر، لقد لام التوفيق أيضا على تدخله في تسيير سوناطراك.

مكان آخر وشخص آخر، خلال المحاكمة التي سلطت عليها أضواء الإعلام فإن فؤاد بولمية قاتل المرحوم عبد القادر حشاني وفي خرجة خيالية إلتحق المجرم المزعوم بمعركة الذئاب،فبعد "ترويضه" من طرف إسماعيل العماري أعلن بولمية خلال محاكمته أن التوفيق هو الذي طلب منه الاعتراف بالجريمة، لقد دوى هذا الإعلان كالصاعقة في البلاد، لقد رفع الطابو من طرف عميل غير ذي قيمة.

لأول مرة تنشر صورة توفيق (الصروة الموجودة في موقع حركة الضباط الجزائريين الأحرار) في الصفحة الأولى ليومية كتبت بخطوط عريضة "الذهاب الوشيك للجنرال محمد مدين اللغز"، التاريخ يعيد نفسه بشكل غريب لأن الشيء نفسه تم القيام به منذ عشرين سنة مع العقيد قاصدي مرباح، إن القائد القوي للأمن العسكري أخرجه من الظل "حزب فرنسا"، حتى ولوأن التشبيه غير ممكن على الإطلاق (توفيق ليس بحجم سيده المرحوم) فإن من المهم الإشارة أن وسائل الزعزعة والمناورة بقيت هي نفسها.

 

بوتفليقة والجيش الوطني الشعبي

أعلن عليها في الصحافة كحدث كبير فإن الصاعقة سقطت على بعض الضباط السامين للجيش، لقد أمضى بوتفليقة على مرسوم التقاعد لمعضم جماعة زروال، اللواء طيب دراجي (القائد السابق للدرك) واللواء رابح بوغابة (القائد السابق للناحية العسكرية الأولى) واللواء غضبان شعبان (القائد السابق للقوات البحرية) وضباط سامين آخرين الذين كانوا في مناصب حساسة كلهم قد عزلوا بدون إخطار مسبق، حتى دوفين() التوفيق الجنرال صادق آيت مصباح قائد الأمن الرئاسي قد طرده "بوتفليقة" الذي أراد أن يقص أجنحة مديرية الأمن ()، لقد نجى مصباح بأعجوبة من العزل بعد أن احتفظ به التوفيق.

في بداية شهر أفريل 2001 فقد طلب العربي بلخير من التوفيق شخصيا الاستفادة من حقه في التقاعد، واستثناء استقبل توفيق العربي بلخير في بيته بحي سعيد حمدين، لقد عمل بلخير كل ما في وسعه لإقناع توفيق بضرورة التغيير على رأس DRS، وقد ذكره باقتضاب أنه هو شخصيا قد ترك سرايا السلطة لترك المجال للجيل الجديد. لقد شعر توفيق أنهم يضحكون على ذقنه ولم يصدق نفسه أنهم يطلبون منه ذلك، كان جوابه للعربي بلخير بسيطا ومباشر : "إذا ذهبت أنا فلجميع سوف يذهب". كان رد فعل جماعة بلخير سريع، في المساء يوم الغد أعطى محمد العماري الأمر بنفسه لثلاث فرق كومندوس لمحاصرة منزل الجنرال محمد مدين ومنعه من الخروج مهما كان الثمن، لكنهم لم يأخذوا في الحسبان قوة محمد مدين الذي توقع مثل هذا التغيير في الوضع، لقد تم تجنيد كل أصدقاء مدير بهدف رفع الخناق عليه.

من مقره العام بالشراقة أمر الجنرال بن عزيزة محمد قائد القيادة العامة للدرك الوطني جنوده المتواجدين بمنطقة القبائل بقمع وبكل قوةكل تمرد أو تجمع غير مرخص به، يوم 18 أفريل 2001 ومن مقرات الدرك المحزنة في بني دوالة جاء الشؤم، قرماح مسينيسا طالب ثانوي يبلغ من العمر 19 سنة يعدم برصاص كلاشنكوف. أيام بعد ذلك سال الدم غزيرا وتم تصفية عشرات من الشباب المتضاهرين من طرف قناصة بن عزيزة، كان الهدف نشر الموت والخراب في منطقة القبائل ومسرح دموي لكل فتن القمة، حتى قائد الناحية العسكرية الثانية الجنرال كمال عبد الرحمان عبر لمحمد العماري عن رفضه لما حصل للتوفيق موضحا أن ذلك يؤدي إلى تصدع وحدة الجيش الوطني الشعبي.

أمام خطورة الوضع فقد أمر العربي بلخير شخصيا برفع الحصار ضد توفيق، إن هذا الأخير يقوم منذ سنة بصراع بدون رحمة للبقاء مستعملا كل الأدوات السياسية والإعلامية.

 

إسماعيل عميل فرنسي عظيم

لقد تغير إسماعيل العماري كثيرا منذ خطواته الأولى في مديرية التجسس (DCE) كمقدم، وكلما حقق نجاحا يربح في القوة والشهرة، لم يعد يقدم الحساب إلى مدير DRS ولكن مباشرة للرئيس، لقد قام إسماعيل بكثير من الضربات المعوجة والمذهلة خلال هذه العشرية، ولكن منذ أن استطاع اختراق والتحكم في بعض الجماعات الإسلامية وكذا في الجيش الإسلامي للإنقاذ فقد استطاع أن يفرض نفسه كالمخاطب الأساسي للإسلاميين.

بعد إلقاء القبض على مدني مرزاق الذي جرح أثناء اشتباك مع قوات الجيشالوطني الشعبي عام 1995 وبعد معالجته تم حبسه في مقر القيادة العملية لمديرية التجسس DCE بعنتر، لقد تم "تقليبه"(retournement) بسهولة من طرف الضباط المكلفين باستجوابه، وتم إعداد خطة عمل بمعيته بهدف تنظيم وإعادة هيكلة الجيش الإسلامي للإنقاذ (إضعاف بن عائشة في الغرب وجمع اكبر عدد من المناضلين)، وهذا ما كان موضع مفاوضات سرية التي قادها إسماعيل العماري شخصيا مع الزعماء الآخرين للجيش الإسلامي للإنقاذ، لقد اجتمع شخصيا مع أمراء الجيش الإسلامي للإنقاذ مقنع الوجه، أملى عليهم حرفيا الإجراءات التي يجب اتباعها للحصول على العفو، هذا الأجراء أصبح يعرف فيما بعد "الوئام المدني".

منذ الانقلاب فإن تردد إسماعيل العماري على باريس قد أثار علامات استفهام لدى أكثر من واحد داخل ، ولكن منذ أن تولى رئاسة DCE فقد تجاوز بكثير حدود مهمته وذلك بالقيام بمهمة مدير التوثيق والأمن الخارجي (DDSE) و مدير العلاقات الخارجية والتعاون (DREC)، إن إسماعيل العماري يستقبل برقم 7 شارع نيلاتون (مركز DST بالدائرة الخامسة عشر بباريس) وكأنه في بيته ليس فقط كمتعاون مميز ولكن كصديق ل DST (مديرية مراقبة الإقليم)، لقد شرب منذ مدة طويلة المثل المأثور : "ندخل إلى DST كما ندخل في الديانة"، مباشرة بعد وصوله إلى الأرض الفرنسية يتكفل بإسماعيل العماري منذ وصوله إلى المطار حيث يؤمن له فريق مختص الحماية ضد كل الأخطار وحتى عندما يتنقل في أوروبا.

وهكذا فإن مدير (DCE) إسماعيل العماري استفاد خلال كل هذه السنوات بالدعم الكبير للموظفين السامين ل (DST) سواء بطريقة رسمية أو في إطار خاص، لقد استغل أيضا دعم البربوز القدماء أمثال جون جاك مركياني، منذ قضية الرهائن الفرنسيين بلبنان فإن إسماعيل العماري الذي كلفه المدير السابق للأمن العسكري بمتابعة هذا الملف لم يتوقف عن القيام بأعمال مع متعاونيه القدمى في الدبلوماسية الفرنسية الموازية، إن إسماعيل العماري الحليف المخلص قام بتغطيتهم منذ البداية ولعب دورا أساسيا في دفع فديات وهمية والتي وجدت نفسها في حسابات سرية بسويسرا، هكذا انتقلت مبالغ خيالية إلى أيد أخرى، أموال بقيت بين مياهين ولم تستعمل أبدا في تحرير أي كان.

إن شارل باسكوا وجون جان كمركياني وإيف بوني يتذكرون جيدا، ومساعدة صديق هو فرض بربوزي، إن ساعات طويلة لا تكفي لذكر جزء صغير فقط من التلاعبات والممارسات غير الشرعية التي قامت بها هذه الجماعة المافياوية الفرنسية الجزائرية على المستوي الدولي وخاصة الأفريقي، من تهريب الأسلحة إلى تهريب الألماس في الزائير والكونغو ومالي والنيجر الخ... من محاولة اغتيال المعمر القذافي إلى اغتيال المعارضين السياسيين أشهرها اغتيال المحامي ميسيلي، إن قانون الصمت الذي يميز هذا الوسط ويسود فيها ينزل بكل ثقله على عالم حيث المال والسلطة يحكمان بعيدا عن القانون والقيم الأخلاقية للعالم. كان جون جان ماركياني أول من نجح في الاقتراب من رابح الكبير وتنظيم فيما بعد أول لقاء بينه وبين إسماعيل العماري، وبطريقة غير مباشرة فإن التلاعببرابح كبير سمح من جهة أخرى إفشال وتحييد المخابرات المغربية.

لقد مول رابح كبير شراء عشرات قطع مختلفة من أسلحة لحساب الجيش الإسلامي للإنقاذ، عند اقتنائها عبرت هذه الأسلحة التراب الفرنسي تحت حماية أصدقاء العماري لتنتهي على الحدود المغربية الجزائرية، كان إسماعيل ينتظر بحزم الأسلحة في مركز الجمارك، وعندما وصلت الأسلحة إلى ما بين الحدود انقضت عناصر (DCE) على المكان وكشفت على التهريب المزعوم للأسلحةالقادم من المغرب، إن رد فعل الجزائر كان سريعا فأغلقت الحدود على الفور وتحرج المغرب كثيرا بهذا الاكتشاف.

فيما بعد كان مصطفى أخو رابح كبير يقوم بالتنقل بين الجزائر وبون بمعية عناصر إسماعيل بهدف وضع اللمسات الأخيرة لاتفاق استسلام الجيش الإسلامي للإنقاذ وتحضير انطلاق الحملة الإعلامية لقانون الوئام المدني المشهور الذي كان كارثة، وحتى أن بعض عناصر الفيس في الخارج قد دفع لهم أموالا للدخول رمزيا إلى الجزائر مع عائلاتهم، كان لزاما أن يثبت للعالم أن جزائر بوتفليقة قد شفت.

 

الحرب بين DRS و DCE

مدعما من طرف أصدقائه من وراء البحر بدأ مدير مصلحة التجسس (DCE) الابتعاد عن مديره الجنرال توفيق، ومنذ منتصف التسعينات فقد قام بكل ما في وسعه لاكتساب حريته، فقد طلب من زروال بعد انتخابه على رأس الدولة أن ينشئ DST جزائرية (تحويل DCE إلى DST) والتي تلحق مباشرة بالرئاسة، لكن ليامين زروال رفض قطعا الاقتراح، علم توفيق حينذاك أن إسماعيل سوف يصبح مشكلا كبيرا.

داخل وزارة الدفاع الوطني ومنذ بداية 2001 لم يعد سرا على أحد أن هناك حربا بين محمد مدين وإسماعيل العماري، فقد أصبحت المناوشات بين الطرفين عادية ووصلت إلى درجة مقلقة حيث وصل الأمر بين الرجلين إلى استعمال الأسلحة خلال اجتماع منعقد بمقر (DCE) بغرمول. لقد تزعزعت كل DRS بسبب فتح جبهة جديدة في المديرية الأكثر حساسية في الجيش، بين الخصمين أصبح كل شيء مسموح به لأن الخاسر في هذا العالم يكون دائما مخطئا. لقد انفجر النزاع في وضح النهار مع محاولة الاغتيال التي دبرها توفيق ضد إسماعيل أمام مقر (DRS) بدالي إبراهيم، على بعد بعض الأمتار من مدخل الثكنة (مقر) فإن السيارة المصفحة لإسماعيل قد تلقت وابل من الرصاص الخارق الآتي من ركاب سيارة قد تجاوزتهم، لقد رشوا مدير DCE بنار كثيفة لعدة دقائق ساخنة، لقي سائق إسماعيل حتفه ونجا إسماعيل العماري بأعجوبة من محاولة الاغتيال.

أقل من ثلاثة أسابيع بعد ذلك رد إسماعيل العماري على التوفيق، في شهر رمضان اكتشف سائق توفيق في اللحظة الأخيرة متفجرات من (DRS) قبل أن ينطلق للذهاب إلى مقر رئاسة الجمهورية حيث من المفترض أن يلتقي توفيق ببوتفليقة في نهاية الظهيرة، كانت سيارة توفيق واقفة أمام مدخل البناية لوزارة الدفاع وتحت الحراسة المشددة، مدخل مخصص فقط لمدير ، عندما علم توفيق بالخبر كانت ردة فعله سريعة فأقال إسماعيل العماري على الفور من منصبه بمرسوم كنائب مدير. رغم محاولات التوفيق العديدة التي قام بها رئيس الأركان محمد العماري ومحمد تواتي فإن الجنرال توفيق رفض رفضا قاطعا كل الطلبات الخاصة بالموضوع إلى يومنا هذا.

لقد ظن إسماعيل العماري بأن نشر أعوانه في الميدان العملياتي سوف يسمح له بالسيطرة على الوضع الأمني وبالتالي يمكن أن ينجح في الحصول على جميع السلطات، وهذا سيسمح له بالتأثير المباشر على الساحة السياسية الجزائرية، لكنه لم يأخذ بعين الاعتبار دهاء توفيق الذي أنشأ بمساعدة الجنرال كمال عبدالرحمان مديرية تجسس ثانية (DCE bis) داخل (DRS). إن العلاقة بين التوفيق وكمال عبد الرحمان لم تقف عن التطور منذ أن استطاع هذا الأخير فرض نفسه في الميدان في مديرية () موسعا بذلك سلطة التوفيق، إن زواج كمال عبدالرحمان بإبنة أخ توفيق وثق العلاقة بين الرجلين وأصبحا أكثر حميمة.

بالفعل أعطى كمال عبدالرحمان من على رئاسة المديرية المركزية للأمن العسكري السلطة الكاملة لقادة المراكز العملية للتحرك في الميدان فاتحا بذلك المجال لكل التجاوزات التي دبرت خاصة ضد المدنيين، أدى ذلك إلى خلق وضع استثنائي، وفي غياب نصوص واضحة في هذا الشأن وجدت DCSA نفسها فوق مديرية إسماعيل العماري DCE، وهذا مرده أن مسئولة رسميا بأمن كل الموظفين العسكريين والمدنيين الذين لهم علاقة بالجيش الوطني الشعبي من قريب أو بعيد، هذه هي المهمة التي استغلت بذكاء باعتبار أن موظفي مديرية التجسس المضاد (DCE) لإسماعيل العماري مكونة فقط من العسكريين.

لابد من التذكير هنا أن الجنرال سعيدي فوضيل قد تم تصفيته مرتين وذلك بسبب حرب الجماعات هذه حيث أن (DSCA) حانت محور الصراع.

المرة الأولى طرد من منصبه كمدير (DDSE) لأن إسماعيل العماري لم يرده كمخاطب للمخابرات الأجنبية وخاصة الفرنسية منها، بسبب كثرة تصلبه وقلة تعاونه وأقل مجاملة من إسماعيل فإن الفرنسيين رفضوا سعيدي، ولإبعاده استطاع إسماعيل أن يقنع زروال بتعيينه في قيادة القوات البرية كقائد الناحية العسكرية الرابعة، لم يرد إسماعيل بقاء سعيدي لأن هذا الأخير كان من المفروض أن يترك منصبه إلى كمال عبد الرحمان، كان زروال كثير التمسك بسعيدي فوضيل وبالتالي فإن إسماعيل لم يستطيع الاقتراح عليه التقاعد المسبق. ومرة ثانية كما ذكرناه في ملف سابق فإن سعيدي فوضيل قد دفع حياته ثمنا لتعيينه بمرسوم رئاسي في منصب استراتيجي كمدير ، إنه حكم بالإعدام أمضاه زروال الذي أراد إعادة السيطرة على شئون الجيش، ولكن نقص الشجاعة والهبة لليامين زروال كانت من الأسباب الرئيسية للمأساة التي تهز البلاد منذ اعتلائه السلطة.

لقد أصبحت (DCSA) الحاجز الذي يراقب كل البانوراما المدنية والعسكرية للجزائر، والوسائل التي قدمها توفيق لمصالحه العملية تفوق كل تصور، إن ذكر (CMPI) لبن عكنون فقط أصبح يعني الذهاب بلا رجعة وقفزة في المجهول... وبمعنى آخر الموت. إن شهرة (CMPI) قد انتشرت على مستوى التراب الوطني كالنار معطية العرق البارد لأشد الناس. وقع تنافس بدون رحمة بين المصلحتين العمليتين للطرفين ( وDCE) على أرض الميدان وصل إلى حد التصفية الجسدية بينهما والتي أمر بها رؤساء المصالح العملية لكل طرف، العقيد بشير طرطاق المدعو العقيد عثمان رئيس المركز الأساسي للبحث العسكري (CMPI لبن عكنون) بالنسبة لDCSA والعقيد فريد غبريني المدعو العقيد فريد رئيس مركز التفتيش والبحث (CRI بعنتر في ضواحي بن عكنون بجانب حظيرة الحيوانات) بالنسبة ل DCE، المهم هو إرضاء القائد وتدعيم منصبه، توفيق بالنسبة للأول وإسماعيل العماري بالنسبة للثاني، إن عدد المدنيين الذين ذهبوا ضحية هذه المسخرة واللهفة وراء السلطة كان مرعبا، يجب إن تحتوي قائمة الصيد لكل طرف على أكبر عدد ممكن وهو أحد الأسباب للعدد الهائل للأشخاص المفقودين.

إن العدوات بين الجنرال التوفيق والجنرال إسماعيل قد وصلت أقصاها في كثير من الملفات الأساسية ما فيها ملف الحركة الجزائرية للضباط الأحرار، بعد التعيين الرسمي لبوتفليقة كرئيس انتقل إسماعيل العماري شخصيا إلى مدريد للاتصال بممثلي قيادة (MOAL) بالخارج، لتحقيق ذلك كلف ممثل المخابرات هناك العقيد بتين رشيد المدعو العقيد زياد بالقيام بالاتصال الأولي وتنظيم لقاء بفندق كبير بمدريد، رفضت قيادة (MOAL) لقاء إسماعيل العماري رغم المحاولات العديدة لهذا الأخير، ذهب بعدها إلى فرنسا للقاء أصدقائه في (DST)، كان العقيد جيرار من DST هو الذي أعاد الكرة رسميا في مدريد ولكن عن طريق مصالح الأمن الداخلي الأسباني، رفضت قيادة (MOAL) مرة أخرى بالاجتماع بالمبعوث الفرنسي ورجع العقيد فارغ اليدين إلى باريس، ولكنهم لم ييأسوا، فانتقل جنرال بنفسه إلى أسبانيا لتقديم مبلغ كبير (عشرة ملايين فرنك جديد) مقابل سكوت الحركة وقبول قانون العفو الذي نظمه إسماعيل العماري والدعم لسياسة الوئام المدني التي أعلنها بوتفليقة.

مرة أخرى رفض ضباط الحركة الجزائرية للضباط الأحرار رغم الضغوط الكبيرة التي مارستها الحكومة الأسبانية، منذ ذلك اليوم ساء موقف الحكومة الأسبانية حيال (MOAL) أكثر فأكثر مما دفع كل الضباط الموجودين بمدريد إلى السرية، لقد قرر الأسبان وضع كل ضباط (MOAL) تحت الإقامة الجبرية وذلك بطلب من السلطات الجزائرية والفرنسية. لابد من الإشارة إلى أن منصب سفير الجزائر بأسبانيا بقي شاغرا لمدة طويلة مما لم يرض السلطات الأسبانية التي راهنت كثيرا على الغاز الجزائري.

بعد فشل جنرال (DST) رجع إسماعيل العماري غاضبا إلى الجزائر أرسل من مكتبه بريد إلكتروني إلى موقع (MOAL)، بنبرة مهددة وحازمة وبلغة فرنسية ضعيفة اشتكى من العقيد ب. علي الذي رفض استقباله بمدريد، ثم قال فيما بعد أن الجنرالات التي طلب (MOAL) من بوتفليقة رحيلهم لن يذهبوا أبدا وعلى (MOAL) أن يختار بين تقاعد ذهبي تحت الشمس أو القبول بالنتائج التي سوف تنزل علي عناصرها خاصة في الجزائر، أنهى رسالته بملاحظة ذات دلالة : "ما دمنا هنا فنحن باقون". والأخطر من ذلك فبعد بضع أسابيع من هذه التهديدات اجتمع إسماعيل العماري سرا مع ممثلي مخابرات أجنبية (ليست فرنسية) في بالما لتحضير بعض الخطط بما فيها خطة التصفية الجسدية لضباط (MOAL) بالخارج، من حسن الحظ أن ضباط نز هاء أخبروا بعض وسائل الإعلام التي أفشت الخبر.

أيام قليلة بعد آخر رسالة لإسماعيل اتصل الجنرال توفيق هو أيضا ومباشرة بMOAL عن طريق البريد الإلكتروني، بنبرة مهذبة حاول إقناع مسئولي (MOAL) بقبول لقاء جنرال، كلف العقيد بلعيد بن علي المدعو العقيد عليلي الذي كان مسئول المخابرات بلندن بتنظيم اللقاء، بعد محاولات عدة من طرف الجنرال توفيق وأمام رفض قيادة (MOAL) بالجزائر المساومة مع مسئولي الأزمة قدم التوفيق هو الآخر اقتراحات غريبة، اقترح مناصب دبلوماسية لضباط (MOAL) في العواصم التي يختارونها بأنفسهم بالإضافة إلى مبالغ مالية ضخمة كتعويضات، كان جواب MOAL كالآتي : "إن دم آلاف الضحايا الجزائرية ليس له ثمن".

بعد كل هذا يمكن للجزائريين أن يتساءلوا عن فائدة المخابرات (DRS) بكل مديريتها التي لم نسمع أبدا وأن ألقت القبض عن أي جاسوس، وهذا ما يحزن حقا لأن الجزائر أصبحت مزبلة كل الأعمال المخابرتية السرية.

 

الحل الوسط

انتهى إسماعيل بالتخلي عن توفيق رئيسه وشريكه في المأساة الجزائرية التي تدوم منذ عشرة سنوات والتحق بالعربي بلخير، مرتزق بدون ذمة وخائن حقيقي للجزائر الحالية رجع إسماعيل العماري إلى سيده القديم العربي بلخير الذي ينفذ له كل الأعمال الحقيرة.

ولكن إسماعيل يجب ألا ينسى أن يأخذ حذره لأن العربي بلخير الماكر يتبجح في المجالس الخاصة بأنه مازال إلى اليوم يتحكم في الجزائر لأن الجنرالات أغبياء، إن العربي بلخير- الرجل اللطيف والجذاب حسب كل زائريه الأجانب، دبلوماسيين وصحافيين - يعرف يفتن ويضلل جيدا، ولكن وراء الابتسامة اللطيفة يقف عراب مشؤوم متعطش للدماء والأموال، إنه الزعيم الحقيقي والجلاد الأساسي للجزائر منذ عشرين عام، إن شعار بلخير هو : ترك الآخرين يجازفون، أما هو فلا يتردد في التخلي عن هذه المخلوقات الشريرة إذا كانت حياته في خطر، لقد عض يد صاحب الفضل عليه الشاد لي بن جديد الذي جعل منه ما هو عليه اليوم.

إن العربي بلخير ومحمد مدين يتقاتلان علنا تقريبا منذ أكثر من سنة، لم يترك توفيق أية فرصة لإرسال "توربيدات" إلى بلخير متهما إياهعن طريق وسائط عدة بضلوعه في قتل الرئيس محمد بوضياف أو تسببه في خراب البلاد، ولكن الغريب في الأمر أنهما باقيين متحدين أمام المخاطر الخارجية لجماعتهم محددين هدفين أساسيين : - تجنب المحاكم الوطنية والأجنبية. - إيجاد ملهات سياسية أخرى تسمح لهم بالاستيلاء على ملايير الفرنكات التي يختلسونها منذ عشرين سنة والتي يحلمون بتوريثها أبنائهم. أمام هذه التهديدات الخارجية قرر الجنرالات في خريف 2001 إنشاء جهاز دعاية خاص وواسع موجه للخارج وخاصة فرنسا، الهدف منه مواجهة النتائج المدمرة للأسرار التي أفشاها MOAL والملازم حبيب سواعدية والعقيد محمد سمراوي والوثائق المتلفزة الأخرى التي تبين بدون أدنى شك مسئولياتهم في الإبادات الجماعية المقترفة ضد الشعب الجزائري مثل أفلام Canal+ حول قضية معطوب لوناس أو مجزرة بن طلحة.

حاول الجنرالات بطريقتهم استغلال وبواقحة المعطيات الجديدة على الساحة العالمية ، لقد اعتقدوا أن أحداث 11 سبتمبر أعطتهم أجنحة جديدة التي تسمح لهم بالرجوع إلى المقام الأول في الساحة الدولية.

إن "المخ" الكبير محمد تواتي المستشار السياسي بوزارة الدفاع الوطني والمكلف بالمجلس الوطني للأمن برئاسة الجمهورية والقائد العسكري الحقيقي قد أعلن بوضوح الهدف، بطريقة ماكرة ومنافقة خاصة به وفي حوار "خاص" مع يوميتين يوم 27 سبتمبر قال :

"ماذا سوف تربح الجزائر ؟ بكل بساطة لا أستطيع أن أقوله لكم، ولكن ما أتمناه في هذه الظروف هو أن يستطيع الرأي العام العالمي معرفة الحقيقية التي حجبت عنه من طرف مصادر مرتبطة بالإرهاب الدولي والإرهاب الذي يعيث فسادا في الجزائر، وخاصة في حقيقية ما يحصل في الجزائر، أتمنى أن تتمكن الجزائر من رفع التضليل عن الرأي العام لبعض الدول فيما يخص المحاولات الماكرة التي تهدف تبرئة ذمة أصحاب المجازر التي شوهت وجرحت على مدى الحياة روح وذاكرة عدد كبير من مواطيننا، يجب التحرك في هذا الاتجاه ولكن المسألة لا تتوقف علينا وحدنا، يجب أيضا الاعتماد على عزة نفس للدول التي لا تغير رأيها بسرعة".

في هذه الخرجة العجيبة "للمخ" الكبير كان يكفي تبديل كلمة "رفع الضلال" بكلمة "تضليل" لفهم البرنامج الجديد لترتيب التضليل الذي وضعه الجنرالات "للعمل في هذا الاتجاه"،داخل هذا الترتيب لا يمثل الجنرال خالد نزار إلا بيدقا يمكن التضحية به إذا لزم الأمر، لأن هذا الأخير مغلق ومتصلب في نفس الوقت ولم تعد له سلطة بعكس رئيسه الأسبق وصاحب فضله العربي بلخير، عندما دفعه لرفع دعوة قدح ذات مخاطر عالية فإن هذا الأخير وزملائه كان لهم الحسابات التالية :

- إذا كانت المعجزة بجانبه وربح دعوته فالأمر مفيد للجميع لأنهم بذلك يبرؤون من طرف العدالة الفرنسية، - وإذا خسر دعوته وهو محتمل جدا فسوف يكون لهم كبش فداء بالنسبة للأعمال الدنيئة لسنوات 1988-1993 والمتمثلة في : القمع الدموي لمظاهرات 1988 و 1991، انقلاب جانفي 1992، الإبعاد نحو معسكرات الجنوب، تنظيم التعذيب والقتل خارج القانوني، "كل هذا كان سببه خالد نزار" ووحده فقط.

بعدها يجب إيجاد كبش فداء آخر بالنسبة لفترة التالية (يوليو 1993 تاريخ - استقالة نزار من منصبه كوزير للدفاع - إلى اليوم)، هنا تظهر استراتيجية الجماعات إلى وضح النهار مع ما تحمله من ضحايا مدنيين جدد، يتحوك العربي بلخير في كل الاتجاهات حتى يكون الجنرال محمد مدين هو كبش الفداء، ومن سخرية القدر أن توفيق يريد أيضا أن يكون العربي بلخير هو كبش الفداء، لكن هذا الأخير - الذكي - استبق الأمور وبدأ التحرك عن طريق أشخاص آخرين وأشهرهم إسماعيل العماري.

ولكن في هذا وسط غير العادي حيث الخبث يعاشر الخيانة فربما كل منهما يصالح الآخر على حساب مرشح ثالث يتحمل العبء والذي يمكن أن يكون إسماعيل العماري الذي أضعفه المرض كثيرا، إن المشاكل الصحية الكبيرةلإسماعيل العماري (سرطان متقدم مثل سرطان أخيه الذي مات منذ سنوات) أعاقته كثيرا وحالت دون القيام بوظائفه بصفية عادية.

 

رجوع إلى دولة الصراعات