حـــــــــزب فـــرنــســا 2

 

الفصل الثالث:

تنظيم التعبئة في الإدارة وفي الاقتصاد

بعد أن تفحصنا آنفا كيف قامت فرنسا بتلغيم الجيش الجزائري حتى قبل انشائه وقبل إعلان استقلال الجزائر بمدة طويلة، سنرى في هذا الفصل كيف أن فرنسا تطمت تبعية الجزائر لفرنسا في مجالين ليست أقل استراتيجية، وهي الإدارة والاقتصاد.

1- جزأرة الإدارة الاستعمارية:

لقد انطلقت فرنسا بين 1958و1961 في تنظيم الإدارة الجزائرية على ثلاثة مستويات، المستوى الوطني والولائي والمحلي، وكانت فرنسا سخية في هذا الشأن، فقد عينت في دواليب هذين القطاعين عددا كبيرا من «الفرنسيين المسلمين» الموالين لها، والذين قامت بترقيتهم إلى مناصب تسيير ولهم فيها سلطة القرار بجانب فرنسيين لضمان ديمومة بقائها في الجزائر.

لكن قبل أن نتفحص كيف تم تكييف الإدارة الاستعمارية كجهاز في خدمة «القوة الثالثة» في إطار المشروع الفرنسي «الجزائر الجزائرية» يجدر أن نذكر بإيجاز الظروف التي أجريت فيه»إصلاحات» للحفاظ على المصالح الاستراتيجية لفرنسا في الجزائر المستقلة.

1-1- لمحة تاريخية

إلى غاية اندلاع حرب التحرير، كانت الإدارة الجزائرية ذات طابع استعماري جلي، وكان دخول الجزائريين إليها جد محدود، وكان يقتصر على الوظائف التنفيذية والسفلى. أما مهام التسير وسلطة القرار، فإنها كانت مقتصرة على الأوربيين وحدهم. لم تكن الإدارة في خدمة المواطنين، بل كانت تتمثل في حراسة السكان الأهالي، وفي إقامة علاقات مع القبائل، وجمع المعلومات من كل نوع من أجل مراقبتها وضمان السيطرة الفرنسية في كامل أنحاء البلاد.

أما الانتخابات، فإنها لاتعكس قط الخيار الحر للشعب عندما تجري.

وقد تميزت فترة الاحتلال بمصادرة إرادة الشعب من طرف الإدارة، وكان المنتخبون المحليون على المستوى الوطني، باستثناء الوطنيين، يسمون «بني وي-وي»، ويعتبرون كخدام مطيعين وموالين للإدارة الفرنسية خلال فترة الاحتلال.

فإلى غاية 1956، كان تقسيم الجزائر يتمثل في بلديات تتمتع بكامل صلاحيات التسيير وبلديات مختلطة.

انشئت البلديات التي تتمتع بكامل صلاحيات التسيير في مناطق بها عدد قوي من الأوروبين دون أن يشكلوا الأغلبية بالضرورة وقد بلغ عددها 325 وتشتغل بمجالس بلدية بما أن أعضاءها «منتخبون».

إن طريقة إجراء الإنتخابات فضلا عن اعمال التزوير من طرف الإدارة أصبحت مشهورة ولم تجر قط أية انتخابات بل تعيين «منتخبين» من طرف الإدارة.

أما فيما يخص البلديات المختلطة والتي بلغ عددها 84 عام 1956 فقد انشئت في باقي أنحاء الوطن، حيث يشكل السكان المسلمون نسبة جد معتبرة، ولايقوم بتسييرها مجلس محلي»منتخب» بل مسير إداري مدني. ولما كان المسير الإداري تحت وصاية رئيس الدائرة، فإنه كان يتمتع بسلطات واسعة جدا، فقراراته لاتناقش وغير قابلة للطعن. فهو الذي يعين القياد المكلفين بتأطير السكان، فدور القائد «القيام في دواره بمهام محافظ ريفي التي تتمثل أساسا في الإبلاغ والحراسة والترقب» كما يشير إلى ذلك منشور الأمين العام للحكومة الموجه إلى الولاة بعد الفاتح من نوفمبر 1954 (1) إن الدور السيئ الذي كان يقوم به القياد في تسيير شؤون»الأهالي» كان دائما مثيرا للإشمئزاز بين السكان. فقد كان السكان يتعرضون لشتى أنواع الأعمال الشاقة، وكانوا دائما ضحية ممارسات القياد غير القانونية والظالمة التعسفية.

فالرشوة والثراء السريع على حساب السكان هو مايميز أساس بشع القياد، فقبيل الاستقلال كان يوجد حوالي 1300 قائدا.

وكخلاصة، نشير إلى أن الجزائر كانت حتى بداية حرب التحرير، تسير بطريقة عرجاء، فمن جهة كانت الجزائر المفيدة تتوفر على 325 بلدية لها كامل صلاحيات التسيير لتهتم بالسكان الأروبيين المقدر عددهم بمليون نسمة. ومن جهة أخرى كانت الجزائر التي يسكنها تسعة ملاين نسمة من «الفرنسين المسلمين» يعانون في 84 بلدية مختلطة يطبعها تسلط إدارة الإحتلال وطغيان القياد.

وفي نوفمبر 54، كان السكان المسلمون يمثلون 9 أضعاف السكان الأوو،بيين، لكنهم لم يكونوا يشكلون في الوظيفة العمومية سوى 29% من الموظفين، الذين كانوا في غالب الأحيان في أسفل سلم الوظيفة. فعلى سبيل المثال، من بين 2500 موظف في الحكومة العامة، لانجد سوى 183 مسلما، معينين خاصة في وظائف صغيرة، لايكادون يمثلون 7% من مجموع التعداد(1).

أما في المهن الحرة فلم يكن عدد المسلمين الجزائريين كبيرا في 1954 تم إحصاء 161 محاميا و152 وكيل دعوى و41 موثقا و104 طبيبا و185 أستاذا في التعليم الثانوي.

وفي هذه الظروف وبعد التطورات السياسية الناتجة عن النقد الذي سجلته جبهة التحرير في الميدان، تم التفكير من طرف إدارة الاحتلال في «إصلاحات»أو بالأحرى إجراءات بين 1955 و1957 لإبعاد السكان، السكان الجزائريين عن تأثير جبهة التحرير الوطني بفضل الترقية الاجتماعية «للفرنسيين المسلمين». ثم إنطلقت إدارة الاحتلال منذ 1959 في «الجزأرة» التدريجية لإدارة الإحتلال لتتركها (للجزائر الجزائرية)، حيث يتعين على «القوة الثالثة» أن تؤدي دورا أساسيا بعد استقلال الجزائر.

1-2- الترقية الاجتماعية للمسلمين الجزائريين:

لقد تم في باريس بين 1955و 1959-1960 تحديد مختلف الاجراءات الرامية إلى تشجيع الترقية الاجتماعية«للمسلمين الجزائريين» بالجزائر في مختلف قطاعات النشاط، بمافيها الإدارة، وقد تم هذا في محاولات متتالية على فترتين بصفة عامة حسب الأهداف المسطرة.

مرحلة 1955-1958

كانت الإجراءات المتعلقة بالترقية الاجتماعية المتخذة خلال هذه الفترة تهدف خاصة إلى قطع الجزائريين عامة، والشباب خاصة عن الثورة. كانت السلطات الاستعمارية في الجزائر تتجاهل البعد الوطني، وكانت رؤيتها تتخلص فيما يلي: إن مشكل الجزائر ليس سياسيا وإنما هو أساسا مشكل اقتصادي واجتماعي. فالبطالة هي سبب الثورة ولهذا قررت السلطات الفرنسية بأن تعطى الأولوية لمكافحة البطالة حتى لا يتوجه الفقراء إلى تعزيز صفوف «الخارجين عن القانون». وسيسمح بعث الاستثمارات والترقية الاجتماعية «للفرنسيين المسلمين» بعزل جبهة التحرير الوطني عن الشعب ثم القضاء عليها عسكريا بعد ذلك.

في هذا السياق عرض فرانسوا ميتران، الذي كان حينها وزيرا للداخلية، في 5 جانفي 1955، أمام مجلس الوزراء برنامجا واسعا للإصلاحات. ونشير إلى أنه تم في الحين إنشاء مدرسة للتكوين الإداري تهدف إلى تسهيل حصول المسلمين على مناصب مسؤولية في الوظيفة العمومية لضمان بقاء الجزائر الفرنسية(1).

إلا أن دخول المسلمين الجزائريين إلى الوظيفة العمومية المعروف بإسم «دفعة سوستال» و»دفعة لاكوست» (وهما اسما الحاكمين اللذين تعاقبا عل الجزائر خلال تلك الفترة) كان محمدا على أساس انتقائي في التوظيف لأسباب مرتبطة على الخصوص بسياسة «ربع الساعة الأخير»

كان الرفع من مناصب العمل، بين 1955 و1958 ليس في الإدارة فحسب، بل كذلك في النشاطات غير الفلاحية (تجارة، صناعة، بناء، أشغال عمومية) المترتبة عن إجراءات الترقية الاجتماعية، يندرج في الخطة التي حددت معالمها الحكومة الفرنسية لإبقاء الجزائر وضعها الاستعماري.

مرحلة 1959 - 1961

بعد خطاب ديغول حول تقرير المصير في سبتمبر 1959 وخاصة بعد المظاهرات الشعبية التي عرفتها الجزائر العاصمة في ديسمبر 1960، التي أعلنت، نهاية «الجزائر الفرنسية»، قامت الحكومة الفرنسية بتنفيذ سياسة اقتصادية واجتماعية تهدف إلى ترقية العمل في قطاعات النشاط الاقتصادي والاجتماعي تهدف إلى ترقية العمل في قطاعات النشاط الاقتصادي وفي الإدارة للسماح ببروز «قوة ثالثة» ولمواجهة جبهة التحرير الوطني، كانت باريس تنوي أن تسند إلى هذه «القوة الثالثة» مصير الجزائر المستقلة، التي سيكون لها روابط متعددة الأشكال لا تتزعزع.

باختصار، فالأمر يتعلق بتكوين وترقية «أكبر عدد ممكن من الإطارات المسلمين الذين اختاروا، أو بالأحرى فرنسا هي التي اختارت لهم، توجها فرنسيا خالصًا»(1) لهذا قامت فرنسا بتعزيز هياكل التكوين الأولى، والتكوين المهني والتعليم التقني والتكوين المكثف لتكوين أكبر عدد من الشباب المسلمين، وهكذا تم إنشاء، من بين ما تم إنشاؤه، مراكز لتكوين الشبيبة الجزائرية (C.F.J.A) أوكلت لهم مهمة تكوين مهني أولي. في 1959، تم تسجيل إنشاء 110 مراكز تكوين للشباب، 1099 نوادي شباب و720 ناديًا رياضيًا تحت وصاية الأقسام الإدارية المتخصصة، وتم فيما بين 1959 و1961 تكوين 100000 شاب مسلم.(2)

لكن، بالموازاة مع هذا الجهد في التكوين الصغير في كل الميادين، كانت فرنسا تقوم في نفس الوقت يدعم تكوين النخب ذات المستوى العالي للحصول على إطارات من شأنها أن تكون قادرة ليس فقط على التكفل بتحقيق أهداف مخطط قسنطينة(3) المسطرة من طرف الحكومة الفرنسية، بل قادرة أيضا على حكم الجزائر غدًا.

وتخص مجهودات التكوين والترقية الاجتماعية التي شرعت فيها فرنسا بالجزائر بين نوفمبر 1954 و1961، الأوروبيين كما تخص «الفرنسيين المسلمين». وقد تترجم تنفيذ الإجراءات المتخذة في هذا الشأن بالرفع من مناصب العمل غير الفلاحية خلال هذه المرحلة.

بالفعل، لقد ارتفع عدد السكان العاملين في القطاعات غير الفلاحية بين 1954 و1960 إلى 361800، وهو ما يمثل زيادة 224100 منصب شغل خاص بفئة «الفرنسيين المسلمين». وفيما يخص عدد العمال الأوروبيين فقد ارتفع بدوره إلى 117700 خلال تلك الفترة، مع العلم أن الإدارة والتجارة هما المجالان اللذان وفرا أكبر عدد من مناصب الشغل كما يبينه الجدول التالي:

الجدول 3: زيادة مناصب العمل خارج الفلاحة

النشاط المسلمون الأوروبيون المجموع

الإدارة + 122700 + 57200 + 179900

التجارة + 56400 + 38500 + 94900

الصناعة + 20000 + 9000 + 29000

البناء والبريد والمواصلات + 25000 + 13000

المجموع + 224100 + 117700 + 361800

المرجع: A. Dartel et J.P. Rivet, «Emploi et développement en Algérie», Ed, PUF, Paris, 1962, p. 70.

يتطلب هذا الجدول بعض الملاحظات، فالرفع من عدد الموظفين المسلمين في الإدارة والتجارة يمثل نسبة 80% من الزيادة العامة لهذه الفئة ونسبة 88% بالنسبة للموظفين الأوروبيين.

إلا أن ارتفاع عدد مناصب الأوروبيين في الإدارة يخص المناصب الحساسة العليا في التأطير والتسيير والأحسن من حيث الأجر، بينما كانت الوظائف الصغيرة في أدنى الدرجات.

وكذلك، فإذا كان عدد 38500 منصب عمل الذي أنشئ لصالح الأوروبيين، في قطاع التجارة، تخص النشاطات المربحة والمدرة مرتبطة بمجالات مثل التصدير والاستيراد وتجارة الجملة، فإن عدد 56400 منصب شغل الذي أنشئ لصالح المسلمين، كانت تمثل أعمالا صغيرة كالتجارة المتنقلة وأعمالاً ثانوية (سعاة وموظفون...إلخ).

وكخلاصة، فإن التباين في التكوين بين الأوروبيين الذين يتمتعون بالامتيازات، والمسلمين المحرومين منها، زيادة على السيطرة السياسية والاقتصادية لفئة الأوروبيين، تبين لنا بأن توظيف المسلمين يقتصر أساسا على اليد العاملة عديمة أو ضعيفة التأهيل. كانت فرنسا تراهن في استراتيجيتها الهادفة إلى الإبقاء على مصالحها في جزائر مستقلة، في نفس الوقت على بقاء الأوروبيين ومساهمتهم الفعالة في شؤون البلاد، وعلى ترقية المسلمين الجزائريين الموالين لها والذين اختاروا الوقوف إلى جانبها بصفة نهائية.

رغم ذهاب 900000 من أوروبيي الجزائر، وهو مالم تكن فرنسا تتوقعه ولا تتمناه، مباشرة قبل إعلان الاستقلال، فقد تم الإبقاء على الجهاز الإداري الاستعماري وفق ما تنص عليه اتفاقيات إيفيان، فلم تجر أية إصلاحات ولا تغييرات في الهياكل أو الأجهزة التي كانت معدة في الأساس لقمع الجماهير.

بل على العكس، فقد بقي الوجود الفرنسي، في هذا النظام الموروث عن الاحتلال، معتبرا على مستوى إطارات الوظيفة العمومية، وهذا رغم الرحيل الجماعي للأوروبيين في 1962.

الجدول 4: الجهاز الإداري الجزائري في 1962

إطارات فرنسية 13720 19,60%

إطارات جزائرية متخرجة من مدارس الإدارة الاستعمارية 22182 31,70%

المجموع الأول 35911 51,30%

إطارات قادمة من جبهة التحرير الوطني 34097 48.70%

المجموع 70008 100%

المرجع: A. Brahimi, «L>économie algérienne», op.cit. p. 83.

يجدر بنا أن نشير إلى أن الوجود الفرنسي في دواليب الإدارة الجزائرية يكتسي طابعين، مباشرًا وغير مباشر.

يمثل الوجود الفرنسي غير المباشر عددا كبيرا من الإطارات القادمة من جبهة التحرير الوطني، سواء أولئك الذين كانوا في دواليب الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية أو أولئك الذين كانوا في الإدارة المغربية أو التونسية، والمتأثرين كلهم بالنمط الإداري الفرنسي، بصفة أو بأخرى كما سنرى لاحقا.

أما الوجود الفرنسي المباشر فيكتسي بدوره طابعين، أولا أكثر من نصف إطارات الوظيفة العمومية هم إما فرنسيون وإما جزائريون كونتهم وأعدتهم السلطات الفرنسية بمنظور استعماري لضمان خلف لها. ثم إن هذا الوجود الفرنسي قد تدعم بإطارات فرنسية بقيت في الجزائر وتمثل قرابة 40% من الإطارات العاملة في أعلى مناصب التسيير والقرار كما يبينه الجدول التالي:

الجدول 5 : أصناف التأطير في الوظيفة العمومية

صنف التأطير الإطارات الفرنسية والجزائرية

الموالية لفرنسا الصنف أ: إطارات الإعداد والقرار 43% (منهم 39% من الفرنسيين)

الصنف ب: إطارات تسيير 77% (منهم 43% من الفرنسيين)

الصنفان جـ و د: إطارات ثانوية 12% (منهم 3% من الفرنسيين)

المرجع: A. Brahimi, ibid. p. 84.

بما أن النظام الإداري الموروث عن فترة الاحتلال ممركز ومهيكل بصفة جيدة، فإنه من السهل تصور حجم ثقل الوجود الفرنسي المباشر وغير المباشر، وأهمية تأثيرها في دوائر القرار بعد الاستقلال.

وقد تم القيام بنفس العملية في المجال الاقتصادي، حيث أقامت فرنسا هياكل ووضعت أناسا يحفظون لها مصالحها الاقتصادية.

2 - تنظيم التبعية الاقتصادية للجزائر

للإحاطة جيدا بتصور فرنسا الخاص باستراتيجيتها لتعزيز هيمنتها الاقتصادية على الجزائر بعد الاستقلال في إطار اتفاقيات إيفيان أو اتفاقيات أخرى لاحقة، يجدر بنا أن نبدأ بذكر الخصائص الأساسية للاقتصاد الاستعماري التي تندرج الاستراتيجية المذكورة في إطاره.

2-1- خصائص الاقتصاد الجزائري قبل 1954

لقد اعتمد اقتصاد الاحتلال في الجزائر على الاستغلال والتعمير منذ الغزو العسكري الفرنسي في القرن التاسع عشر.

بدأ الاستغلال مع النزع المكثف للأراضي من الجزائريين، تبعه تفكيك أنماط الإنتاج الفلاحية والرعوية وتحطيم النشاطات الحرفية التي كانت موجودة قبل الاحتلال، فقد استولت الإدارة على ملايين الهكتارات من أحسن الأراضي الموجــودة في الشمــال بجانــب الموانئ، بينمــا تم طــرد الفلاحين الفقراء الذين نزعــت منهم أراضيهـم إلى المناطــق الجبلـية لاستصلاح أراض قاحلة حتى يبقوا على قيــد الحيــاة، فتشكـل على ذلـك قطاعان فلاحيان، سُمّي الأول تقليديا يتشكل من «الباقين على قيد الحياة» ويعتمد على اقتصاد التقوت، والثاني عصريا يملكه الأوروبيون المهاجرون، ويقتصر على التصدير المبني على قواعد الرأسمالية الاستعمارية.

كان المعمرون المهاجرون، وعددهم 20000، الذين استقروا في أراضٍ فلاحية يتوفرون على مليوني هكتار تساهم بنسبة 65% من الإنتاج الفلاحي الكلي للجزائر، بينما يساهم 630000 مالك جزائري بنسبة 35% من الإنتاج الإجمالي.

من جهة أخرى، كانت الصناعة خلال سنوات 1920 و1930، في بداية تكونها وتقتصر أساسا على النشاط التحويلي في القطاع الغذائي والنسيجي والخزفي، وقطاع الجلود والمناجم.

كانــت الجزائـــر في عـهـد الاحتـلال تختـص بالزراعــات الموجــهــة للتصــديــر وفي صناعـــة استخـــراج المـــواد الأوليـــة الموجهــة للتصدير واستيراد مواد صناعية من كل نوع.

بدأت الصناعات التقليدية، التي كانت متطورة جدا في المدن الرئيسية للبلاد قبل الاحتلال، في الاندثار، بسبب استيراد منتوجات صناعية منافسة.

إلى غاية الحرب العالمية الثانية، كان النشاط الصناعي في الجزائر صغيرًا جدا، وكانت الوحدات الصناعية صغيرة وعدد مناصب الشغل فيها متواضعًا جدا (بضع عشرات آلاف المناصب).

ابتداء من 1943 فقط، تم اتخاذ إجراءات تمنح امتيازات مالية هامة لتشجيع التنمية في القطاع الصناعي لتعويض الاستيراد.

ولتدعيم هذا الاتجاه، توجه الرأسمال الخاص إلى الصناعة التحويلية للمواد الفلاحية (معاصر الزيتون، ورشات صناعة الصابون، مطاحن الحبوب، صناعة المصبرات، ومصانع النسيج) وبعض النشاطات الأخرى كالصناعة الكيميائية والميكانيكية والتعدينية. وعرفت الجزائر في الوقت نفسه إنشاء فروع لشركات فرنسية ذات شهرة عالمية مثل «بيشني» و «لافارج» و «سان غوبان». وجلبت صناعة المحروقات بسرعة الشركات الفرنسية ابتداء من 1953، بعد اكتشاف الآبار الأولى في حاسي مسعود وحاسي الرمل.

نشير عموما إلا أن الاقتصاد الجزائري كان إلى غاية 1954، يتميز بالرأسمالية الفلاحية، بينما كانت الرأسمالية المالية الفرنسية تهتم بالنشاطات المنجمية والبنكية والتجارية، التي تعد مصدر ربح سهل يساهم من جهة أخرى في ترسيخ تبعية الجزائر اقتصاديا وماليا وتجاريا للاقتصاد الفرنسي.

تتميز هذه التبعية في الميدان التجاري بهيمنة المبادلات الخارجية للجزائر مع فرنسا (وهو ما يمثل أكثر من 80% خلال القسم من القرن التاسع عشر، من جهة، وبالمستوى العالي في العجز الهيكلي للميزان التجاري الجزائري من جهة أخرى.

تعتمد الصادرات الجزائرية نحو فرنسا أساسا على الخمور والحبوب والحوامض والفلين والحلفة والحديد الخام والفوسفات والبترول (ابتداء من سنوات 1950) وتقدر واردات الجزائر من فرنسا بحوالي 80%.

يرجع العجز الهيكلي للميزان التجاري إلى النمو المدعّم والسريع للواردات على حساب الصادرات.

من جهة ثانية، فإن الجزائر كانت نظرا لقلة صادراتها خارج منطقة الفرنك، مرتبطة بالصندوق المشترك للعملة الصعبة في منطقة الفرنك حيث لا نستطيع السحب منه إلاّ في حدود الحساب الممنوح لها والذي تجهزه فرنسا وتموله باستمرار.

وخلاصة القول، أن الاقتصاد الجزائري قبل الاستقلال، كانت تتحكم فيه فرنسا التي كان يوجد بها مركز القرارات الكبرى المتعلقة بالاستثمارات والإنتاج والمبادلات. كان مشروع قسنطينة واتفاقيات إيفيان تهدف، من جهة أخرى، إلى الإبقاء على هذه التبعية الاقتصادية للجزائر تجاه فرنسا.

2-2- مشروع قسنطينة (1959-1963)

كان مشروع قسنطينة الذي أعد انطلاقا من «آفاق عشارية» وبدأ تطبيقه في عز حرب التحرير الوطني، والذي أعلن عنه ديغول نفسه، يهدف إلى بعث الاقتصاد وخلق 400000 منصب شغل لتصرف الشباب الجزائري عن الثورة، والقضاء على دعمه الفعلي أو المحتمل لجبهة التحرير الوطني، وذلك بمحاولة ملأ الفراغ السياسي الذي خلقه اندلاع الثورة.

وقد تم اتخاذ إجراءات مغرية في هذا الشأن (مساعدات مالية، تخفيضات جبائية، فتح الأسواق الفرنسية...إلخ)

من أجل تشجيع الاستثمارات الفرنسية في الجزائر، تم في هذا الإصار بعث عدد من المشاريع الاقتصادية قبل 1962 في قطاعين التعدين والميكانيك والنسيج..إلخ، التي لم يتم إنهاؤها إلى بعد 6 أو 7 سنوات من الاستقلال السياسي.

ترك الفرنسيـــون كذلك للجزائريين مشــاريـــع المدى لآفـــاق 1970 يوفـــر مشاريع للجزائر المستقلة، نتج عنهما تقوية آليات التبعية الاقتصادية التي تمثل اتفاقيات إيفيان الإطار الرسمي لها، والمثال على ضمان المصالح الاقتصادية الاستراتيجية لفرنسا.

2-3- اتفاقيات إيفيان

حاول ممثلو الحكومة الفرنسية خلال مفاوضات إيفيان في ماي 1961، لَـيَّ ذراع الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، باعتراضهم على انتماء الصحراء للجزائر، نظرا لأهمية آبار البترول والغاز التي اكتسبت بها في 1953، لقد اصطدمت المفاوضات بهذه المسألة لتفشل في الأخير. وبعد مناورات عديدة، قبلت الحكومة الفرنسية في الأخير سيادة الجزائر علي الصحراء لكنها نجحت مقابل ذلك في افتكاك تنازلات اقتصادية كبيرة.

جاء في اتفاقيات إيفيان في هذا الإطار أنه «على الدولة الجزائرية احترام مبادئ الحرية الاقتصادية والحفاظ على المصالح الرأسمالية الفرنسية كما كانت عليه في الجزائر قبل أول جويلية 1962، وتكون المساعدات الفرنسية مشروطة باحترام اتفاقيات ومشاريع تنموية يعدها الخبراء الفرنسيون في إطار الآفاق العشرية لمشروع قسنطينة. ويبقى الهيكل الاقتصادي الاستعماري كما هو»، بما في ذلك في المجال البترولي(1).

وبإختصار، فإن التنازلات التي منحتها الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في اتفاقيات إيفيان تشجع على ضمان، بل حتى تطوير المصالح الاقتصادية لفرنسا التي يتعين على الجزائر المستقلة أن تضمن احترامها.

لقد رفضت قيادة الأركان لجيش التحرير الوطني، الممثلة في اتفاقيات ايفيان، هذه التنازلات، لكن لم يسمع لها نداء، نذكر بأن قيادة الأركان كانت قد رفضت اتفاقيات إيفيان في 1962، منددين باستسلام الحكومة المؤقتة، المتهمة بالتخلي على المصالح العليا للجزائر.

لكن الحكومة الفرنسية كانت تعتمد كذلك على وجود فرنسي الجزائر لضمان تنفيذ استراتيجيتها في الهيمنة المتعددة الأشكال. ولما كان الأوروبيون تحميهم اتفاقيات إيفيان» فأمامهم ثلاث سنوات ابتداءا من تاريخ الاستقلال، ليختاروا بين الجنسية الجزائرية والجنسية الفرنسية فخصوصياتهم الإثنية واللغوية والدينية ستكون محترمة. ويكون للمدن ذات الكثافة الأوروبية وضع خاص»(2).

المصالح الاقتصادية للأوروبيين ستحافظ عليها اتفاقيات إيفيان وكانت فرنسا تعتمد كذلك على هؤلاء الأوروبيين لمراقبة التطور المستقبلي للاقتصاد الجزائري على الخط الذي ترسمه فرنسا.

لكن الظروف التي انتهت فيها الحرب التي تميزت بعمليات ابتزاز وجرائم وأعمال تخريب قامت بها المنظمة المسلحة السرية (OAS)، قبيل الاستقلال، دفعت أوروبي الجزائر إلى الرحيل الجماعي.» إن الفراغ الاقتصادي والاجتماعي» الذي سببه رحيل 900000 أوروبي قبل اعلان الاستقلال كان له أثار وخيمة على تسيير الاقتصاد، بإخلاله بالمحيط التجاري والمالي.

لكن لم يكن هذا «الفراغ» شاملا، لأن الوجود الفرنسي بقي مهما في الإدارة وفي الاقتصاد وفي القطاع المالي، يتمثل في إطارات فرنسية وجزائريين موالين لفرنسا وإطارات جزائرية وطنية أو مندمجين، انطبعوا رغما عنهم بالنمط الثقافي والاقتصادي والاجتماعي الفرنسي.

2-4- بروز البيروقراطية والتقنوقراطية:

أصبحت البيروقراطية والتقنوقراطية، بعد وقف إطلاق النار يوم 19 مارس 1962، الوسيلتين المفضلتين للنظام المدني تحت عصا الجيش، ولقد أعطيت الأولوية للحفاظ على الأجهزة وتطويرها على حساب الصالح العام وعلى حساب تلبية تطلعات السكان ولو بصفة تدريجية. إن البيروقراطية والتقنوقراطية اللتين كانت جبهة التحرير الوطني تعتمد عليهما تتصفان بالمركزية المفرطة والتسلط والاستبداد بالرأي والرغبة النامية وغير المبررة في توخي السرية.

وفي الواقع، إن جبهة التحرير الوطني قد انتهت كقوة سياسية من أجل انتصار الثورة منذ 1962 وأصبحت تابعة للسلطة ودرعا للجيش.

فالجزائر المستقلة ستبنى بمساهمة البيروقراطية والتقنوقراطية اللتين تختلف مكونات أصلهما، لكن تكوينهما وارتبطاتهما ومصالحهما تصبان في نفس السياق.

إن الإطارات العاملـة قبل الاستقلال أو المعينة من طرف جبهة التحرير الوطني في 1962 في الأجهزة الإذارية والاقتصادية متأثرة بطريقة أو بالأخرى بالنمط الثقافي والاقتصادي الفرنسي وسوآء كانوا وطنيين أو غير ذلك، فإن تلك الإطارات تنتمي إلى نفس التيار الثقافي، فهم يعتبرون امتلاك اللغة الفرنسية والمؤهلات الإدارية أو التقنية هي وحدها مقايس التوظيف والترقية.

لقد رأينا سابقا كيف قامت الحكومة الفرنسية بتنظيم التكوين المكثف والترقية الاجتماعية»للمسلمين الفرنسيين»فضلا عن تكوين نخبة، إن لم تكن «القوة الثالثة» المعارضة لجبهة التحرير الوطني، تمثل على الأقل قوة إدارية وتقنوقراطية ستفرض نفسها كعنصر ضروري في الحكم في حالة الاستقلال هكذا ورثت الجزائر إذن في 1962 إطارات ورجال نظام تكونوا في قالب فرنسي بتميز بطابعه الاستعماري والقمعي.

في نفس الوقت، تم إدماج الجهاز الإداري للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية الذي مر قسم من موظفيه على «الهيئة التنفيذية المؤقتة» (التي أنشئت في إطار إتفاقيات إيفيان) في مناصب جيدة في منظمة الدولة الجديدة عام 1962 من هذه النخبة ذات الروح الوطنية أو تتظاهر بذلك لكنها موالية لفرنسا، نسجل بروز إطارات ستؤثر لمدة طويلة على الخيارات الاقتصادية للجزائر، مثل بلعيد عبد السلام(1) واسماعيل محروق (الذي أصبح فيما بعد وزيرا للمالية).

وعبد الله خوجة (كاتب دولة للتخطيط بين 1970و 1978) وصغير مصطفاي (محافظ البنك المركزي بين 1962و 1984) وغيرهم كثيرون. لكن أحاط كل واحد من هؤلاء الأقطاب، مناضلي الفرانكوفونية، نفسه بإطارات من نفس التوجه السياسي والبروقراطي في جهازه الإداري(2).

كخلاصة للفصول السابقة، نستنتج أن فرنسا قد نجحت، وذلك قبل إعلان الاستقلال السياسي للجزائر بكثير في إقامة جهاز للمحافظة على مصالحها والدفاع عنها، وذلك بتنظيم وجودها في مختلف الأجهزة التي ستصبح هي المؤســـسات الجديـــدة للجزائر لاسيما في الجيش والإدارة والاقتصاد والمالية والتعليم والتكوين.

إن الرحيل الجماعي للأوروبيين عن الجزائر في 1962 والنصر السياسي لتحالف قيادة الأركان العامة لجيش التحرير الوطني، الذي أصبح يسمى الجيش الوطني الشعبي، مع فريق بن بلة وخيذر وبيطاط، قد أفشلا مشروع فرنسا «الجزائر الجزائرية» وشوشت لبعض الوقت على التقدم المبرمج للتيار الموالي لفرنسا، الذي يطلق عليه عادة إسم «حزب فرنسا». حتى وإن كان هذه التحالف، فعلا غير متجانس تماما، لكنه بقي تحت سيطرة شخصيات، مثل بن بلة وخيذر وبومدين ومنجلي، تنتمي إلى التيار العربي الإسلامي وترفض الاستعمار الجديد والفرنكفونية كإديولوجية.

هذا الوضــع الجديد ســوف يجبــر أتبــاع الوجـــود الثقافي الفرنسي في الجزائر على الإكتفــاء في تلك الأثنـــاء بمكانــة متواضعـة وعلى تنظيم أنفسهم للتحكم في الأجهـــزة بالقطاعـــات الأكثـــر استراتيجية في انتظار اللحظة الحاسمة للاستيلاء على الحكم.

إن مسيرة الاستيلاء على الحكم ستطول، والدليل أنه لزم انتظار شهر جانفي 1992 حتى يحقق حزب فرنسا، عن طريق الانقلاب هدفه النهائي، وستسمح لنا الدراسة اللاحقة لمختلف الفترات، بين 1962 و1991 بكشف تطوير التيار الموالي لفرنسا في أهم أجهزة الدولة.

إلا أن هذا لم يمنع حزب فرنسا من التواجد، عام 1962، في كل المؤسسات الجزائرية الجديدة، لاسيما في جيش التحرير الوطني، الذي يعد النواة الرئيسية في الخارطة السياسية الجزائرية، حيث يشغل «الفارون» من الجيش الفرنسي مناصب أساسية بعد حصولهم على شرعية ثورية.

القسم الثاني

مشاركة «الفارين» من الجيش الفرنسي في انقلابي 1962 و1965 يمنحهم الشرعية

الفصل الرابع

1962: جيش الحدود يتوجه إلى السلطة.

إن عملية استيلاء جيش الحدود بقيادة بومدين على السلطة مرت بعدة مراحل وسنذكر بإيجاز بأبرز الوقائع غير أنه خلال هذه المرحلة، يحتمي جيش الحدود بالقيادة السياسية لجبهة التحرير الوطني بقيادة بن بلة وخيضر.

1- مارس - جوان 1962:

بعد وقف اطلاق النار وإطلاق سراح القادة التاريخيين: آيت أحمد، بن بلة، بيطاط، بوضياف وخيضر، تجتمع الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية بتاريخ 22 مارس بالرباط وتبحث النزاع القائم بينهما وقيادة الأركان العامة. ويتم رفض اقتراح بن بلة القاضي باستدعاء المؤتمر الوطني للثورة الجزائرية قصد ايجاد حل للأزمة.

تدعو قيادة الأركان العامة القادة الخمسة التاريخيين المحررين، والأعضاء في الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية للتوجه إلى وجدة لمقابلة إطارات جيش التحرير الوطني، ويريد بومدين بهذه الزيارة أن يمنح لبن بلة الفرصة للتعبير عن آرائه علنا وتطوير الأفكار التي لم يدافع عنها حتى ذلك الحين إلا قادة الأركان العامة. وقد استقبل بن بلة بحفاوة كبيرة في وجدة وهذا مالم يعجب رفقاءه.

نظرًا لقلق الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية من تقارب بن بلة وقيادة الأركان العامة، تقرر أن توقف كل شكل من أشكال تموين جيش التحرير الوطني.

وبعد عودة بن بلة من مصر حيث دعاه الرئيس جمال عبد الناصر يصرح عند وصوله إلى تونس في 14 أفريل 1962 أين استقبله كل من الرئيس بورڤيبة وبعض وزراء الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية وكذا الضباط من جيش التحرير الوطني يمثلون قيادة الأركان العامة: «نحن عرب، نحن عرب، نحن عرب».

فيستقبل جيش التحرير الوطني الذي كان متمركزا في الحدود هذا التصريح الشهير الذي بثته الإذاعة التونسية بترحيب في حين أنه يغضب الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية.

يتوجه بن بلة ورفقاءه الأربعة إلى الحدود الجزائرية التونسية على اثر دعوة من قيادة الأركان العامة، ويتم استقبالهم بحفاوة بالغة. وخلال اجتماع مع ضباط جيش التحرير الوطني، يتناول كل من بن بلة وبوضياف الكلمة على التوالي وقد استقبلت كلمة بن بلة بحفاوة على عكس كلمة بوضياف.

عند نهاية شهر أفريل، تزداد حدة التوتر بين الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية وقيادة الأركان العامة. وعلى إثر حادث تسبب فيه الجيش الفرنسي ضدّ وحدات جيش التحرر الوطني في جبل بن صالح، تتهم قيادة الأركان العامة الجيش الفرنسي بعدم احترام اتفاقيات إيفيان وتهدد بالرد إذا لم يوضع حد لمثل هذه الاستفزازات. ويساعد الهدوء واحترام وقف إطلاق النار قيادة الأركان العامة لاستئناف إرسال الضباط والمقاومين (المتنكرين في زي مدنيين) نحو الداخل رفقة اللاجئيين الذين بدأوا يعودون بكثرة في إطار منظم إلى الوطن.

نظرا لانزعاج الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية من تصريحات قيادة الأركان العامة العنيفة ومن تصرفها الهادف لتحسين مواقعها في الميدان، تقرر الحكومة المؤقتة تجميد ميزانية قيادة الأركان العامة قصد شلها. وهكذا يجد جيش التحرير الوطني المتمركز في الحدود نفسه بعد بضعة أسابيع، محروما من الموراد المالية والمادية التي كانت تمنحها له الحكومة المؤقتة بانتظام، غير أنه نظرا لتوقّع قيادة الأركان العامة لمثل إجراءات الانتقام هذه، فقد عملت مسبقا على تضخيم ذخائرها وادخار مبالغ مالية كبيرة لمواجهة أي احتمال.

وأمام تعفن الوضع، يقوم كل من بلة، وبيطاط وخيضر بإعادة بعث الحكومة المؤقتة من أجل استدعاء المؤتمر الوطني للثورة الجزائرية ويحصلون في الأخير على الأغلبية رغم معارضة الثالوث كريم وبوصوف وبن طوبال الذين كانوا حتى ذلك الحين أسياد الموقف. وأخيرا يتم استدعاء المؤتمر الوطني للثورة الجزائرية ويجتمع في 27 ماي بطرابلس ويصادق على برنامج جبهة التحرير الوطني. ونظرا لكون هذا البرنامج أعيد من طرف لجنة أنشئت لهذا الغرض، فقد أطلق عليه «برنامج طرابلس»(1).

إذا كان البرنامج قد صودق عليه بدون صعوبات فإن المناقشات حول اختيار أعضاء المكتب السياسي كانت صاخبة وتبرز الانقسامات العميقة في الحكومة المؤقتة. ويظهر تياران سياسيان متجابهان: أحدهما ذو توجه غربي بقيادة الحكومة المؤقتة (باستثناء بن بلة وبيطاط وخيضر ومحمدي سعيد)، ويعتمد على الولاية الثالثة وجزء من قيادة الولاية الثانية (صالح بوعنيدر، طاهر بودربالة، عبد المجيد كحل الراس) وكذا على فيديرالية فرنسا، وثانيهما ذو توجه عربي-إسلامي بقيادة بن بلة نائب رئيس الحكومة المؤقتة، ويتمتع بدعم قيادة الأركان العامة والولايات: الأولى، الخامسة، السادسة وكذا دعم قائدين من الولاية الثانية وهما العربي برجام ورابح بلوصيف. ورغم أن كلاًّ من فرحات عباس وأحمد فرنسيس وأصدقائهم من الاتحاد الديمقراطي للحركة الجزائرية السابق ذوو انتماء غربي، إلاّ أنهم انضموا إلى هذه المجموعة قصد الانتقام من مناورات كل من الثالوث وبن خدة التي كانت وراء إبعادهم من الحكومة المؤقتة في السنة السابقة. في حين أن الولاية الرابعة تبقى حيادية.

نظرا إلى أن مجموعة بن بلة وقيادة الأركان العامة لاتتوفر إلا على الأغلبية البسيطة ولاتتوفر على الثلثين كما تقتضي القوانين الأساسية، فإن المؤتمر الوطني للثورة الجزائرية وُجِدَ في مأزق، يقرر بن خدة مغادرة اجتماع المؤتمر الوطني للثورة الجزائرية في طرابلس.

ويتجه إلى تونس في مساء 6 جوان حتى يتجنب عدم تنشيط أشغال المؤتمر الوطني للثورة الجزائرية، وكذا توقف القرارات التي لن تكون في صالح مجموعة الحكومة المؤقتة. ويلتحق به عدة أعضاء من المؤتمر الوطني للثورة الجزائرية. ولم يبق إذن إلا اختبار القوة لفرض الذات.

وفي هذا السياق، يقرر أعضاء قيادة الأركان العامة تركيز جهودهم على الولايات التي لازالت متحفظة تجاههم ويترك لبن بلة قيادة النشاط السياسي.

تريد قيادة الأركان العامة أن تهتم بالولايتين الثانية والسادسة والواحدة تلو الأخرى، قصد إقناعهما وإعادتهما إلى صفّها.

وفي هذا الإطار، ترسل قيادة الأركان العامة مباشرة بعد أشغال المؤتمر الوطني للثورة الجزائرية للولاية الثانية مبعوثين: النقيب الشاذلي بن جديد (عضو المنطقة العاملة للشمال) والنقيب الهاشمي هجرس (مسؤول المحافظة السياسية في مقر قيادة الأركان العامة وقائد سابق للمنطقة السادسة للولاية الثانية)، ومحمد عطايلية (قائد فرقة ومسؤول سابق لناحية، المنطقة الرابعة والثانية)، غير أنه تم ايقافهم جميعا في سهل عنابة على إثر أمر للعقيد صالح بوبنيدر، قائد الولاية الثانية، وحليف الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية. بعد توقيفهم، تم إرسالنا، أنا، وكنت برتبة نقيب (قائد فيلق) والرائد العربي برجم والملازم عبد الرحمان بن جابر، في مهمة إلى الداخل، وقد استطعنا الالتحاق بمقر القيادة العامة للولاية الثانية (بالجبال التي تشرف على الميلية) والتحدث مع عدة ضباط بحضور النقيب بلقاسم فنطازي المكلف بالنيابة بالولاية خلال غياب العقيد بوبنيدر.

كانت مهمتنا تتمثل في شرح خطورة الأزمة لإطارات الولاية الثانية والتحاور معهم، مع تحذيرهم من الأخطار التي تتربص بالثورة، والناجمة عن تطبيق اتفاقيات إيفيان والمواقف الخاطئة للحكومة المؤقتة. تجري المحادثات في جو هادئ لكن اطارات الولاية الثانية الذين لم تكن تصلهم معلومات عن الحكومة المؤقتة وقيادة الأركان العامة والمؤتمر الوطني للثورة الجزائرية، ظلوا مرتابين أمام الشروحات التي قدمها لهم الموفدون الثلاثة. وتبين من هذه المحادثات أن اطارات الولاية الثانية يتبعون قائدهم صالح بوبنيدر والحكومة المؤقتة عن طواعية.

لقد حاولت أنا شخصيا، وكنت حينها نقيبا، والرائد العربي برجم، والملازم الأول عبد الرحمان بن جابر الذهاب بعيدًا وذلك بإقامة اتصالات مباشرة مع ضباط مختلف مناطق الولاية، لاسيما في المنطقتين الأولى والثانية، حيث اتصلنا بعدد كبير من الضباط الذين كان من بينهم من يشاطرنا وجهة النظر حول الأزمة. غير أنه عمليا لاشيء يمكن الشروع فيه ميدانيا إذ أنه في نهاية المطاف فإن المنشقين المحتملين انضبطوا ورفضوا التقدم عن طواعية.

خلال زيارتنا للمنطقة الأولى، التي جبناها خلال عدة أيام، تم منعنا، أنا شخصيا والعربي برجم وعبد الرحمان بن جابر من مواصلة جولتنا على متن سيارتنا التي تم توقيفها من طرف مجموعة من الجنود المسلحين. وقد ترجونا وهم يبكون لمغادرة تراب الولاية، لأنهم، كما قالوا لنا، تلقوا أمرًا بالقبض علينا. وأضافوا: «إننا نثق فيكم ونعرف أنكم نزهاء ونرفض القبض عليكم، لأننا نرفض أن نرى المجاهدين يتقاتلون فيما بينهم، يجب أن تحل خلافات المسؤولين على مستوى القمة.» فحيونا وأخلوا سبيلنا.

اقترح علينا العربي برجم الاستقرار بالميلية أو بميلة حيث كان لنا مناصرون كثيرون. لكن بعد أن قضينا الليلة في ميلة، اقترحت على العربي برجم تفادي المواجهة وإراقة الدماء، وألححت على أن تغادر ميلة لوجهة أخرى بالولاية الأولى، غير بعيد عن الولاية الثانية. ويقررون الاستقرار بعين مليلة ويعلمون فورا قيادة الأركان العامة والعقيد الطاهر الزبيري، قائد الولاية الأولى بذلك.

تم اختيـــار عين مليـــلة نظـــرا لقربهـــا من قسنطـــينة (حوالي 50 كلم) أين أقـــام صالـــح بوبنيــدر، قائـــد الولايــة الثانيـــة مقـــر قيادتــه العامة. وبهــــذا، كنا أنا والعربي برجم وعبد الرحمن بن جابر نقوم بالعمل انطلاقا من عين مليلة. وقد أقمنا اتصالات مع ضباط من الولاية الثانية، عن طريق أشخاص والبريد والهاتف والمناشير

وفي الوقــت نفـسه، توجــه القائــد قايــد أحــمد، عضـــو قيـــادة الأركـــان العامة إلى المدية لمقابلة إطارات الولاية السادسة. ولكن مجلس الولاية يطلب منه مغادرة الولاية لأنه لم يقتنع بالفرضيات التي قدمها قايد، فيغادر هذا الأخير المدية متوجها إلى قسنطينة أين أوقفه مجلس الولاية الثانية. في 10 جـــوان، يعـــود كريــم بلقاسم ومحمــد بوضيــاف إلى الجـــزائــر ثم يذهبـــان إلى تيــزي وزو وقسنطــينة أين يتأكــدان من الدعم الفعال للولايتين الثانية و والثالثة.

وإجــمالا عند نهـــاية شهــر جوان وعشية استفتاء تقرير المصير، فإن منطق القوة الميداني كان بلا ريب في صالح قيادة الأركان العامة، وهذه الأخيرة تملك فعلا جيشا مدربا تدريبا جيدا ومنظما ومكونا من 24000 رجل عند الحدود، وكذا دعم الولايات الأولى، الخامسة والرابعة، ودعم القائدين، عضوي مجلس الولاية . وأكثر من ذلك، فإن التحالف مع بن بلة وخيضر يمنح لقيادة الأركان العامة بعدا سياسيا واسعا من شأنه أن يجذب التحالفات والدعم الضروري للتسوية السياسية للأزمة لصالحهم.

أما فيمـــا يخــص الحكومــة المؤقتـــة للجمهورية الجزائرية فإنها تستفيد من دعم الولاية الثانية (ذات القيادة المنقسمة) والولاية الثالثة وفيديرالية فرنسا، وتبقى الولاية الرابعة حيادية.

بعد تخلي كل من بن بلة وبيطاط وخيضر ومحمدي السعيد خلفاء قيادة الأركان العامة، لم تعد الحكومة المؤقتة تضم سوى 8 وزراء. وبعد عودة كريم وبوضياف إلى الجزائر رغم المنع الذي فرضته عليهم الاتفاقيات المبرمة مع فرنسا، لم يبق في تونس إلا 06 أعضاء من الحكومة المؤقتة. «يمثل تاريخ 26 جوان نهاية الحكومة».(1) ويخص آخر عمل قامت به الحكومة المؤقتة عزل قائد الأركان العامة بتحريض من كريم وبوضياف. «وعاشت جبهة التحرير الوطني في ذلك اليوم باعتبارها تجمعا وطنيا واسعا»(2).

2- جويلية - أوت- سبتمبر 1962:

بعد نشر نتائج استفتاء تقرير المصير الذي أجري في 1 جويلية 1962، تم إعلان استقلال الجزائر في 3 جويلية. لكن تفجر فرحة وحماس الشعب الجزائري خففته خطورة الأزمة.

وفيما يخص الحكومة المؤقتة، فتصريحات علنية لمسؤولين سياسيين كانت تصدر من كل جهة، فالكل شارك: أعضاء من الحكومة المؤقتة، ممثلي لجبهة التحرير الوطني في الجهاز التنفيذي المؤقت، ممثلين للمنطقة المستقلة للجزائر، وممثلي فيديرالية فرنسا وغيرهما. فاختلطت الأمور على المواطن البسيط وعم اللبس.

في المقابل، فإن تحالف قيادة الأركان العامة مع بن بلة وخيضر كان ينشط بصفة جيدة، وعلى الصعيد السياسي، يعكف بن بلة وخيضر وأصدقاءهم على العمل لاقناع الولايات التي لاتزال متحفظة لوضع حد للأزمة وذلك عن طريق الاعتراف بالمكتب السياسي(3). يستقر بن بلة بتلمسان أين تجرى اتصالات ومحادثات ومفاوضات ومساومات مع أعداء الأمس.

في جويلية، يتم الاعلان عن إنشاء المكتب السياسي وهذا الاعلان يفجر ماتبقى من الحكومة المؤقتة:

فيستقيل بعض الوزراء في ضجة، ويفضل البعض الآخر الانسحاب في هدوء لتجنيب البلاد الاضطراب واللبس وآخرون يريدون مناقشة مصيرهم. كريم وبوضياف هما الوحيدان اللذان بالغا في تقدير قواتهما وأصرا على معارضة قيادة الأركان العامة وبن بلة، بالإعتماد على الولاية الثالثة وعلى المنطقة المستقلة للجزائر.

على الصعيد العسكري، تشرع قيادة الأركان العامة في تطبيق مخططها. وغداة الاعلان عن الاستقلال، يقوم الجنود المتمركزون في الحدود بالتحرك نحو الداخل في الشرق، كان الفوج الذي يقوده النقيب عبد الرزاق بوحارة أول العائدين واحتل سوق أهراس في 5 جويلية ثم يستقر بها، وفي نفس الوقت، تعود وحدات في الغرب إلى وهران وتحتل عدة مدن.

تتسرع بعض الولايات وبخاصة الولايتين الثالثة و الرابعة في تجنيد الشباب قصد رفع عدد قواتها المسلحة. وفي الداخل ينتقل جيش التحرير الوطني من 10000 رجل عشية وقف اطلاق النار، استنادا إلى مصادر فرنسية إلى حوالي 40000 خلال بضعة أشهر(1).

هذا ماجعل الشباب المجندين يطلق عليه التسمية المحقرة «جنود 19 مارس «وفجأة وخلال بضعة أيام يطلق على هؤلاء تسمية»مجاهدين قدماء».

من جهة أخرى، لاتزال الولاية الثانية تشغل بال قيادة الأركان العامة ويتفاوض قائدها العقيد صالح بوبنيدر مع بن بلة حول اتفاق يقضي بالاعتراف المتبادل على أساس تسوية يوافق عليها الطرفان وعند عودة العقيد بوبنيدر إلى قسنطينة، يعلن لرفقائه في 24 جويلية نهاية الأزمة لكن في 25 جويلية يهاجم الرائد برجام قسنطينة ويخوض معارك كانت أحيانا عنيفة. ويقوم بتوقيف العديد من الإطارات السياسية والعسكرية للولاية الثانية، من بينهم العقيد بوبنيدر وبن طوبال، عضو الحكومة المؤقتة وقائد سابق لهذه الولاية.

كان احتلال قسنطينة محل تحضيرات دقيقة أعدت في مقر قيادة العربي برجم. ولما كنت نائبًا لهذا الأخير، فقد كنت الوحيد الذي عارض بشدة هذه العملية، وقد عارضت -في الواقع- مواجهة مسلحة بين الجنود ولم أكن أريد سماع الناس يتحدثون عن إراقة الدماء بين الإخوة. ومن جهة أخرى، كنت أرى أن قلب الموازين بطريقة سياسية وسلمية مازال ممكنا، دون علمي بأي شيء عن المحادثات التي كانت جارية حينها بين بن بلة والعقيد بومدين اللذين كانا قد توصلا إلى تسوية بينهما.

ولكن القائد برجام كان يخشاه بن بلة وبوبنيدر وكان يرفض أن يقر بأن بوبنيدر والاطارات المخلصين له، كانوا سيسرون الولاية II في هذا الوقت الأركان العامة ولبن بلة، ولم يكن يريد أن يفقد سيطرته على عمليته تغيير نشاط جيش التحرير الوطني وإعادة تنظيم جبهة التحرير الوطني، وكذا تحضير قوائم المترشحين للانتخابات التشريعية المرتقب إجراؤها في شهر سبتمبر. لذا قام بتنظيم هذه العملية العسكرية ضد قسنطينة لاحتلالها وتغيير منطق القوة في الميدان وهكذا حصل على ماكان يريده، ولكن للأسف دفع الثمن بعدد كبير من الضحايا.

في حين أن استيلاء برجم على قسنطينة تمخض عنه انضمام إطارات الولاية II للقيادة الجديدة.

وأصبح القائد برجم الذي كان إلى ذلك الحين مدعومامن طرف قيادة الأركان العامة، وقائد الولاية بمساعدة رفيقه: النقيب عبد الحميد ابراهيمي، مساعد عسكري مكلف بإعادة هيكلة جيش التحرير الوطني، وعبد الرحمن بن جبار، مساعد سياسي.

وخلال شهر أوت، واصل مجلس الولاية II انكبابه على مهمته تحت قيادة برجم. وهذا ماسمح لي يإتخاذ التدابير الملائمة للاستمرارر في ضمان النظام والأمن وتطهير مالية الولاية (عن طريق إدراج المحاسبة والشفافية... ) قصد إعادة تنظيم وحدات جيش التحرير الوطني المتمركز في الداخل (طبقا للهيكل النظامي لقيادة الأركان العامة).

كما تم الشروع في تغيير نشاط عناصر جيش التحرير الوطني بتخييرهم بين تعيينهم في جبهة التحرير الوطني أو تدبير وظيفة مدنية لهم أو تسريحهم، لكن بناءا على طلبهم. وفي نفس الوقت كانت قائمة نواب المستقبل تعد بإشراف برجام بمساعدة بن جبار (لم تكن الانتخابات التشريعية الأولى للاستقلال تضم سوى قائمة وحيدة وهي التي أعدها المكتب السياسي وقادة الولاية).

وفي قسنطينة، انعدم الأمن وأصبحنا في وضعية وجدنا فيها مقاومين ممن لم يعينوا بعد في وحدات أعيد تنظيمها مؤخرا يقومون بعدة تجاوزات حيث سمح بعضهم لأنفسهم أن يحتلوا شققا وفيلات تركها أوروبيون بدون ترخيص إداري وبعضهم استولى بطريقة غير قانونية على مخازن تركها مالكوها الأوروبيون الذين غادروا الجزائر بصفة نهائية، والبعض الآخر كان يقوم بعمليات نقل حقيقية لمساكن أصبحت»أملاكا شاغرة» ومنهم من قام باعتداءات مسلحة على الاوروبيين.

لقد جاءني عدد كبير من المواطنين يشتكون من تدهور الوضع الأمني. وقد رأيت أن هذه الوضعية غير مقبولة، ولهذا قررت وضع حد لهذه التصرفات المضرة وغير المقبولة، والتي تضر من جهة أخرى بسمعة جيش التحرير الوطني. ،هكذا أنشأت بقسنطينة ولأول مرة شرطة عسكرية اخترت عناصرها بنفسي (جنود وضباط صف وضباط) من بين العناصر الأكثر نزاهة وانضباطًا، وأعطيت لهم تعليمات صارمة لاستتباب النظام والأمن وذلك بإلقاء القبض على كل عنصر يُضبط متلبسًا بجنحة نهب أو سرقة، وهكذا كانت دوريات مجهزة بالسيارات تجوب 24سا/24سا الأحياء السكنية ووسط المدينة الذي كان مسرحا لاعتداءات مختلفة الأنواع. واستتب الأمن بصفة كاملة في أقل من شهر بذراع من حديد.

هناك مثالان جديران بالذكر على سبيل التوضيح وهما:

أوقفت الشرطة العسكرية نقيبا في جيش التحرير الوطني ببذلته الرسمية (قائد سابق لمنطقة في الولاية)، برفقة جنديين، عندما كانوا يستولون على صندوق حانة مطعم أوروبي ليلا وتم سجنهم. ورغم أن هذا النقيب كان مقربا جدا من القائد برجام، فإنني أصررت على قرار السجن وأسندت القضية إلى لجنة قضائية عسكرية.

وبعد بضعة أيام، تم إيقاف قائد فوج، وقائد سرية وجنديين (جمعهم من المنطقة الثانية للولاية الثانية وجد مقربين أيضا من القائد برجام) كانوا على متن سيارة حوالي الساعة الواحدة صباحا عند مدخل الحامة (بلدة تقع على بعد 10 كلم من قسنطينة)، قامت الشرطة العسكرية بتفتيش السيارة ووجدت بداخلها مجوهرات ومبلغا ماليا معتبرا، اعترف الضباط بجرمهم وبأنهم قادمون من حربيلون في ناحية عنابة، والتي أصبحت تدعى منذ بضعة أشهر (عمر شطايبي) وقد قاموا بسرقة عائلة فرنسية هناك. تم اقتيادهم مباشرة نحو دار الباي بقسنطينة، مقر قيادة الولاية الثانية، حيث قمت بحبسهم، دون علم الرائد برجام، وتم إعداد محضر من طرف ضابط نائب عام عينته أنا شخصيا، وأعيدت الغنيمة بعد ذلك إلى مالكها مقابل وصل قانوني ممضي. طلب مني العربي برجام الذي كان يجهل مكان حبس أصدقائه بإطلاق سراح كل الموقوفين، فرفضت وألححت على تقديم المتهمين إلى العدالة، بعد أن قمت بنقلهم إلى مكان أكثر أمانا.

وبعد بضعة أيام، استطاع العربي برجام أن يحدد موقعهم فحررهم. ذات يوم جاءني برجام إلى مكتبي، وطلب مني مرافقته إلى قاعة الاجتماعات. وهناك وجدنا حدرباش الذي كان واليا على قسنطينة، ومحافظ الشرطة وكل الموقوفين افتتح العربي برجام الجلسة وقام بمرافعة مذهلة ضد الوالي ومحافظ الشرطة الذين اتهمها بالرغبة في تقسيم صفوف جيش التحرير الوطني (وسمحوا) عن طريق الشروع في ايقاف الضباط والجنود» الذين يضحون بجياتهم من أجل تحرير الوطن وسمحوا لأشخاص مثلكما أن يشغلوا وظائف عليا لم تحلما بها حتى منذ بضعة أشهر فقط».

فقاطعته موضحا له بأني أنا من قام بحبسهم بعد إلقاء القبض عليهم من طرف الشرطة العسكرية، ألح برجام على موقفه وأجاب أن الوالي هو الذي أوقفهم ثم استدار إلى الموقوفين وطرح نفس السؤال على كل واحد منهم: «هل سرقت؟» وكان كل الموقوفين يجيبون الواحد تلو الآخر: «لا»، فقال برجام: « أنتم ترون جيدا أنهم أبرياء». وعند استدارته للموقوفين ختم قائلا: « أنتم أبرياء، يمكنكم الانصراف».

كنت في كل مرة أحاول ذكر لوقائع والأدلة التي كانت بحوزتي حول هاتين القضيتين، وكان برجام يقاطعني موجهًا أصابع لاتهام إلى الوالي الذي لم يعترض، بل أنه لم يحاول حتى الدفاع عن نفسه في قضية كان بعيدًا عنها من أولها إلى آخرها.

انتشر خبر إطلاق سراح اللصوص الذين ألقي عليهم القبض متلبسين، بين الثكنات. وتضامن معي عدد كبير من الضباط الذين كانوا يقولون بأنهم مستعدون لتوقيف العربي برجام الذي كانوا يعتبرونه غير كفء، والذي لم يعودوا يحتملون نزواته، التي تجاوزت قضية عمليات السرقة، لكني عارضت كل عمل غير قانوني ومتهور وفضلت التوجه إلى قيادة الأركان العامة، التي بقيت هي الجهة الوحيدة التي لها شرعية الطعن بالنسبة لي.

وهكذا انتقلت إلى الجزائر العاصمة، حيث التقيت بالعقيد بومدين والرائد علي منجلي، فأطلعتهم على المناخ العام الذي كان سائدا آنذاك بين وحدات جيش التحرير الوطني في الولاية الثانية، وعن استياء الضباط، الذي زاد في حدته سلوك برجام. أجابني قائدالأركان العامة ونائبه بأنهما: «في حاجة إلى العربي برجام في هذه الفترة الحاسمة.» ليضيف بومدين: «إنك مازلت شابا لكي تخلف الرائد برجام في الحين.» معطيا الأمور بعدًا ذاتيا بتحويل النقاش في إطار الطموحات الشخصية، وهو ما لم يخطر على بالي قط. وقد أدهشني ذلك الرد، فتساءلت كيف يمكن لبومدين ومنجلي، لاعتبارات سلطوية، رفض اتخاذ القرارات المناسبة والتخلي بهذه السرعة عن مبادئ الصرامة والانضباط والنزاهة التي دافعوا دائما عنها إلى هذه الساعة. وهكذا قررت الرحيل بسرعة من الجيش عوض البقاء عدة شهور أخرى حتى يستقر الوضع كما كنت أتوقع.

وهكذا لم تعد الولاية الثانية التي أصبحت قيادتها متماسكة في نظر قيادة الأركان العامة، تمثّل مركز انشغالات للمكتب السياسي على عكس الولاية الرابعة.

والخلاف الكبير الذي كان قائما بين الولاية الرابعة والمكتب السياسي كان يتعلق بالتحكم في العاصمة.

فمن جهة، تعترض الولاية الرابعة على بعض أسماء المترشحين للانتخابات التشريعية التي احتفظ بها المكتب السياسي في الدوائر الانتخابية التي يتحكم فيها وعندما تم الإعلان عن القائمة النهائية للمترحشين في 19 أوت وقعت حوادث تجابهت فيها مجموعات مسلحة تابعة للولاية الرابعة مع مجموعات ياسف سعدي (الذي قُبِلَ في المكتب السياسي) في حي القصبة الشعبي.

ومن جهة أخرى، فإعلان 26 أوت الخاص بأعضاء فدرالية الجزائر الكبرى والذي لم يضم أي ممثل عن الولاية الرابعة زاد من حدة التوتر. وتستأنف المعارك من جديد في 29 أوت بين العناصر المسلحة لياسف سعدي وعناصر الولاية الرابعة.

ويسجل الطرفان خسائر بشرية فادحة ويعبر السكان الذين تعبوا من الأزمة ومن صراع الإخوة عن انزعاجهم من خلال مظاهرات عفوية وعن صرخات» سبع سنين بركات» (سبع سنوات، يكفي) في ضواحي القصبة وهم بذلك يدينون الأطراف المتجابهة.

يقرر المكتب السياسي في الأخير بعد أن سئم من سياسة الانسداد للولاية الرابعة أن يستدعي جنود قيادة الأركان العامة والولايات الأولى والخامسة والرابعة من أجل احتلال مدينة الجزائر وتحريرها نهائيا من سيطرة الولاية الرابعة.

يعود هؤلاء الجنود المخلصون لقيادة الأركان العامة وللمكتب السياسي إلى الولاية الرابعة في 31 أوت عن طريق محورين أساسيين باتجاه سور الغزلان وقصر البخاري في جنوب المدية التي تمثل آخر حاجز على طريق الجزائر.

كانت المعارك في ناحية قصر البخاري دموية وخلقت المئات من الأموات. وبعد بضعة أيام من المعارك المتبوعة بمفاوضات بين محركي الصراع، يدخل جنود قيادة الأركان العامة إلى العاصمة في 9 سبتمبر. وهكذا انتهت الأزمة عن طريق النار وفي الدم.

في 26 سبتمبر، يعلن عن قائمة أعضاء الحكوميه التي يترأسها بن بلة، من مجموع 18 عضوا، تم إسناد 5 حقائب وزارية لممثلي قيادة الأركان العامة: بومدين نائب رئيس ووزير الدفاع، أحمد مدغري وزير الداخلية، عبد العزيز بوتفليقة وزير الشباب والرياضة، محمد الصغير نقاش وزير الصحة، موسى خساني وزير البريد والموصلات يعزز بومدين موقعه بحصوله على 28% من المناصب الوزارية بعد أن أقصى مساعديه علي منجلي وقايد أحمد عن طريق اقتراحهما كمترشحين للمجلس الوطني بدون علمهما.

وبعد بضعة أيام، يعقد في الجزائر بثكنة علي خوجة اجتماع برئاسة بومدين، شارك فيه قادة الولاية أو ممثلوهم. وتندرج في جدول الأعمال المسائل المتعلقة بتنظيم الجيش الشعبي الوطني، والمالية، والعلاقات بين الولاية والإدارة. وكنت أمثل قائد الولاية الثانية في هذا الاجتماع.

وقد صدمت منذ الوهلة الأولى بالحضور القوي جدا لضباط فارين من الجيش الفرنسي إلى جانب بومدين. سيطرت تدخلات الفارين من الجيش الفرنسي على المناقشات وفي حالة ماإذا تعارضت الاقترحات الصادرة اما عن مقاومين كطاهر زبيري (الولاية الأولى) أوعني شخصيا (الولاية الثانية) مع وجهة نظرا الفارين، فإن بومدين لا يفصل في الموضوع ويحيل تلك المواضيع إلى لجنة.

إلا أن هذه اللجنة التي عينها بومدين لاتضم سوى الفارين من الجيش الفرنسي، مضيفا إليها إسمي. وهذا مايمثل مؤشرا بارزا للدور المهين الذي سيلعبه من الآن فصاعدا الفارون من الجيش الفرنسي في الجيش الجزائري الناشئ. تجتمع اللجنة خلال توقيف الجلسة قصد عرض استنتاجها مباشرة بعد الجلسة العامة. ووجدت نفسي معزولا في هذه اللجنة الشديدة الاختلال، والتي لاتعكس أشغالها في الأخير سوى وجهة نظر الفارين.

وبعد شـــهر، يتخلـــص بومـــــدين من العربي برجام الذي كان على رأس الولاية الثانية ويضع التقسيم العسكري الجديد وتصبح قسنطينة مقرًا للناحية العسكرية الخامسة.

وعند تنظيم بومدين لوزارة الدفاع، أسند مناصب هامة للفارين من الجيش الفرنسي، فعلى سبيل المثال، عين عبد القادر شابو أمينا عاما لوزارة الدفاع، وأحمد بن شريف قائد الدرك الوطني، لحبيب خليل مديرا للمستخدمين، سعيد آيت مسعودان مدير الطيران، ويتم اسناد مهام عديدة في وزارة الدفاع لكل من سليمان هوفمان، سليم سعدي، عبد الحميد لطرش، مصطفى شلوفي وغيرهم.

ولم يعين سوى ضابطين شابين وطنيين فقط كمديرين مركزيين لفترة قصيرة وهما: كمال ورتس ولكحل عياط.

إن توزيع المهام في وزارة جد استرتيجية كوزارة الدفاع التي سيطر عليها مباشرة بعد الاستقلال الحضور القوي للفارين من الجيش الفرنسي أعلن عن نهاية الثورة باعتبارها تعبيرا عن الأمل وعن طموحات الشعب المتمثلة في الحرية والأخوة والعدالة الاجتماعية.

أصبح مسار تحويل الثورة المصمم والمطبق قبل الاستقلال عمليا ابتداءا من سبتمبر 1962 غير أن الوضع لم يصل بعد إلى نقطة اللارجوع. فكل الخيارات لاتزال مفتوحة نظريا رغم أن «حزب فرنسا» قد شغل الميدان الذي لغمه لصالحه.

3- الاستقلال ملغم:

يمكن تكوين بعض الملاحظات حول أزمة جبهة التحرير الوطني التي انفجرت في صيف 1962 والتي سمحت بتوضيح ظروف تعزيز تحويل الثورة والتي سنتطرق إليها فيما بعد.

على عكس الحكومة المؤقتة التي كانت ملغمة بتناقضات وبالعديد من المصالح الخاصة، فإن جيش التحرير الوطني المتمركز في الحدود كان يمكن أن يصبح أداة فعالة لخدمة الثورة بما أنه استطاع تجاوز الجهويات واتخذ شكل أداة سياسية مركزة في وقت كانت فيه قوات الثورة الوطنية مهددة بالتبعثر والتشتت، فقد أبرز شكل الدولة مسبقا وبالتالي ساهم في انتصارها، لكن في نفس الوقت أصبحت هذه الدولة عائقًا أمام تأسيس إطار سياسي ديمقراطي وشعبي(1).

تم تغيير توازن القوى في جبهة التحرير الوطني وفي الجيش الوطني الشعبي على حساب الفئات الوطنية المرتبطة فعلا بالشعب. إن عملية التسريح الواسعة التي مسّت المقاومين والضباط وضباط الصف وجنود جيش التحرير الوطني المتمركز في الحدود وفي الداخل التي قامت بها وزارة الدفاع الجديدة أفرغت الجيش الوطني الشعبي، الذي كان حاجزا ضد أية محاولة للانحراف، ابتداءا من 1962 من بعده الشعبي. وكان هذا الوضع في صالح الفارين من الجيش الفرنسي الذين أصبحوا يشغلون مناصب استراتيجية في وزارة الدفاع.

لم يبلغ بومدين بعد كل أهدافه المتعلقة بالاستيلاء على السلطة، ومن الآن فصاعدا سيعكف على « العمل السياسي» وذلك بالتركيز على الجيش الذي أسند مهمة تسيره للفارين من الجيش الفرنسي الذين كان منهم من انضم إلى جبهة التحرير الوطني في وقت متأخر، بين 1958 و1959 وبخاصة منهم: عبد القادر شابو وسليمان هوفمان وخالد نزار والعربي بلخير وسليم سعدي ومصطفى شلوفي وعبد المالك قنايزية، ومنهم من انضم في 1961 كمحمد العماري. ومحمد تواتي وسليمان بوشوارب وآخرون انضموا للجيش الوطني الشعبي بعد الاستقلال مثل العقيد جبيايلي والقائد بوراس الذي أسندت له بعد بضعة أشهر من وصوله إلى الجزائر في 1968، ادارة الخدمة الوطنية. وشكلوا جهازا متضامنا وملتحما.

إن التاريخ يبرز فيما بعد أن بومدين قد أخطأ بعدم احتياطه كما سبق وأن حذره بعض الضباط المقاومين منذ أن عين على رأس قيادة الأركان العامة في الحدود الجزائرية التونسية في جانفي 1960. ويكمن خطأه في أنه كان يريد استعمال «الفارين» كأداة لبلوغ غايته متأكدًا من أنه ليس لهم أي ثقل سياسي خاص وأنهم لايشكلون له وللبلاد أي خطر!!

كانت الدولة الجديدة المستقلة تتكون بمساندة البيروقراطية المدنية التي تستمد من مصادر مختلفة ولكنها متقاربة من حيث التكوين والمصالح.

وهناك 3 مصادر لهذه البيروقراطية:

الجهاز الاداري وتأطيره الموروث عن العهد الاستعماري (الترقية الاجتماعية للجزائريين بين 1956 و1962).

إدماج الآلاف من الموظفين الجزائريين ذوي التكوين الفرنسي العاملين في تونس وبخاصة في المغرب في الإدارة الجزائرية بعد 1962.

الجهاز الإداري للحكومة المؤقتة الذي مرّ جزء منه عبر الجهاز التنفيذي المؤقت.

إن للمكونات الثلاثة لكل من فوج الفنيين المؤثرين والبيروقراطية والانتماء الوطني أو انعدامه قاسمًا مشتركًا ويتمثل في التكوين الغربي، وتأثروا بالخصوص بالنموذج الفرنسي. هذه العوامل هي التي ستكون سبب الصراع الثقافي والاجتماعي الذي ستشهده الجزائر بين 1970 و1999. يقول محمد حربي: «إنّ امتلاك اللغة الفرنسية والكفاءة يعتبر سلطة اجتماعية وسلاحًا. فالإطارات (المكوّنون في القالب الفرنسي) يستندون إلى كفاءتهم قصد الترقية في رتبهم، أما عناصر الثقافة العربية فهم يشغلون أدنى الرّتب»(1).

وهكـــذا منـــذ 1962، تجمّعـــت كل المكونـــات التي ســـتؤدي إلى مواجهات ثقافيـــة وسياسيـــة ستبرز في منتصــف 1970، وستزداد خطورتها بعد انقلاب جانفي 1992.